وابتدأ من حصونهم بحصن النطاة، وأمر بقطع نخلها فقطعوا أربع مائة، ثم نهاهم عن القطع، ومكث - صلى الله عليه وسلم - سبعة أيَّام يقاتل أهل حصون النطاة، فلم يرجع من أعطى له الراية بفتح، ثمّ قال:"لأعطين الراية غدًا إلى رجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّانه، يفتح الله على يديه"فتطاولها أبو بكر وعمر، وبعض الصحابة من قريش، فدعا - صلى الله عليه وسلم - عليًّا - رضي الله عنه - وبه رمد، فتفل في عينيه، ثم أعطاه الراية، وكانت تلك الراية بيضاء مكتوب فيها: لا إله إلا الله محمد رسول الله، بالسواد، فقال: عَلَامَ أقاتلهم يا رسول الله؟ قال:"أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإذا فعلوا ذلك .. فقد حقنوا دماءهم وأموالهم"وألبسه - صلى الله عليه وسلم - درعه الحديد، وشدّ سيفه ذا الفقار في وسطه، ووجهه إلى الحصين، وقال:"لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا، خير لك من حمر النعم"؛ أي: من الإبل النفيسة التي تصدق بها في سبيل الله، فخرج عليّ بالراية يهرول، حتى ركزها تحت الحصن، فخرج الحارث أخو مرحب، وكان معروفًا بالشجاعة، فتضاربا فقتله عليّ، وانهزم اليهود إلى الحصين، ثمّ خرج إليه مرحب سيد اليهود، وهو يرتجز ويقول:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّيْ مَرْحَبُ ... شَاكِيْ السِّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
وارتجز عليّ - رضي الله عنه - وقال:
أَنَا الَّذِيْ سَمَّتْنِيْ أُمِّيْ حَيْدَرَهْ ... ضِرْغَامُ آجَامٍ وَلَيْثٌ قَسْوَرَهْ
وضرب عليًّا، فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ بابًا كان عند الحصن، فتترس به عن نفسه، فلم يزل في يده يقاتل حتى قتل مرحبًا، وفتح الله عليه الحصين، وهو حصن ناعم من حصون النطاة، وألقى الباب من يده وراء ظهره ثمانين شبرًا، وذلك بالقوّة القدسيَّة، وفيه بيان شجاعة عليّ، حيث قتل شجيعًا بعد شجيع.