وكذلك قال مالك: وقد حاصرنا مدينة الروم فحبس عنهم الماء ، فكانوا يُنزلون الأسارى يستقون لهم الماء ، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل ، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا.
وقد جوّز أبو حنيفة وأصحابه والثَّوْريّ الرّمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى من المسلمين وأطفالهم.
ولو تَتَرّس كافر بولد مسلم رمي المشرك ، وإن أصيب أحد من المسلمين فلا دِيّة فيه ولا كفارة.
وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية.
وقال الشافعي بقولنا.
وهذا ظاهر ؛ فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا يجوز ؛ سِيَّما بروح المسلم ؛ فلا قول إلا ما قاله مالك رضي الله عنه.
والله أعلم.
قلت: قد يجوز قتل التُّرْس ، ولا يكون فيه اختلاف إن شاء الله ، وذلك إذا كانت المصلحة ضرورية كليَّة قطعية.
فمعنى كونها ضرورية: أنها لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس.
ومعنى أنها كلية: أنها قاطعة لكل الأمة ، حتى يحصل من قتل الترس مصلحة كل المسلمين ؛ فإن لم يفعل قتل الكفار الترس واستولوا على كل الأمة.
ومعنى كونها قطعية: أن تلك المصلحة حاصلة من قتل الترس قطعاً.
قال علماؤنا: وهذه المصلحة بهذه القيود لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها ؛ لأن الفرض أن الترس مقتول قطعاً ؛ فإما بأيدي العدوّ فتحصل المفسدة العظيمة التي هي استيلاء العدوّ على كل المسلمين.
وإما بأيدي المسلمين فيهلك العدو وينجو المسلمون أجمعون.
ولا يتأتى لعاقل أن يقول: لا يقتل الترس في هذه الصورة بوجه ؛ لأنه تلزم منه ذهاب الترس والإسلام والمسلمين ، لكن لما كانت هذه المصلحة غير خالية من المفسدة ، نفرت منها نفس من لم يمعن النظر فيها ؛ فإن تلك المفسدة بالنسبة إلى ما يحصل منها عدم أو كالعدم.
والله أعلم.
الرابعة قراءة العامة"لَوْ تَزَيَّلُوا"إلا أبا حَيْوَة فإنه قرأ"تَزَايَلُوا"وهو مثل"تَزَيَّلُوا"في المعنى.
والتزايل: التباين.
و"تَزَيَّلُوا"تفعّلوا ، من زِلْت.