قوله تعالى {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً} أي بسط لكم بساط العبودية التي هي مرقاة عرفان الربوبية فإذا كنتم تصعدون عليها تبلغون إلى مشاهدة جلالى وكشف جمالي عرفتكم نفسي كما عرفت نفسي حبيبى وخليلى وكليمى وروحى ووصيتكم بان لا تختاروا على شيئا من دونى فإذا تجردتم عن غيرى واستقمتم على بساط خدمتى واقبلتم إلى جمال مشاهدتى بنعت المحبة والشوق فقد بلغتم نهاية الدين الذي اصفينا به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين لا تتفرقوا من مقام الجمع فان عين الجمع غاية ذوق العارفين والتفرقة غاية الحجاب بيني وبينكم قال بعضهم في قوله شرع لكم من الدين أي من تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم الأنبياء السابقة وقال سهل الشرائع مختلفة وشريعة نوح هو الصبر على اذى المخالفين.
قوله تعالى {وَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} البس الله حبيبه أنوار نعوته الأزلية بنعت التجلى والكشوف لقلبه وعقله وروحه وسره وصورته فلما جعله كاملا من كل الوجوه قال له فاستقم كما أمرت أي استقم بي على مرادى منك بحيث تستقيم بصفتى عند كشف حقائق ذاتى فان الكون وأهله لا يستقيم في موازاة ذرة من عين الألوهية والاستقامة في الأمر عموم في المعرفة والمشاهدة خصوص الاستقامة في العبودية للأولياء والاستقامة في مشهد الربوبية للأنبياء قال بعضهم حقيقة الاستقامة لا يطيقها إلا الأنبياء واكابر الأولياء لأنها الخروج من المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الحق على حقيقة الصدق ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم"استقيموا ولن تحصوا"أي لن تطيقوا الاستقامة التي أمرت بها.