وقد حصل الوحي من وراه حجاب لموسى - عليه السلام - في بدء رسالته وقد رأى نارا فطلب من أهله المكث والبقاء في مكانهم حتى يستطلع الأمر قال تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} وقد حدث ذلك له أيضًا عند مجيئه لميقات ربه قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} الآية أما رسولنا فقد كلمه ربه من وراء حجاب ليلة الإسراء والمعراج عند فرض الصلاة ومراجعته ربّه - عَزَّ وَجَلَّ - في التخفيف عن أمته في عدد الصلوات.
كما كلم الله - سبحانه وتعالى - ملائكته من وراء حجاب في أمر خلق آدم - عليه السلام - وجعله خليفة في الأرض، قال تعالي: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} .
{أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا} أي: أو يبعث الله - تعالى - ملكا رسولًا كجبريل - عليه السلام - إلى أنبيائه فيسمع الأنبياء صوت الملك، وتارة يرونه عيانًا في صورة بشر كما كان يتمثل جبريل - عليه السلام - لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - في صورة أعرابي أو في صورة الصحابي الجليل دحية الكلبى وتارة أخرى كان يراه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صورته الحقيقية. وقد يأتي الوحي دون رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - للملك وإنما يسمع عند قدومه دويًا أو صلصلة شديدة لا يعلم إلا الله كنهها وحقيقتها فيعتريه - صلى الله عليه وسلم - حالة روحية لا يدرك الحاضرون منها إلا أماراتها الظاهرة مثل ثقل البدن وتفصُّد جبينه الشريف عرقا. روى البخاري - رضي الله عنه - عن عروة بن الزبير - رضي الله عنهما - عن أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها - أن الحارث بن هشام سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟