32 -: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} :
أي: ومن آيات الله ودلالته الدّالة على قدرته الباهرة وسلطانه القاهر - السُّفن الجارية في البحر، كالجبال الشّاهقة في عظمها، سخرها الله - تعالى - في البحر بأمره لخدمة الإنسان وقضاء مصالحه، وأجراها بقدرته ليسهل انتقال الناس من مكان إلى آخر، فتروج التِّجارة، وترتقى الصِّناعة، ويتبادل النَّاس المنافع، وتزدهر العلوم والمعارف.
33 - {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} :
أي: إن يشأ الله يسكن الرِّيح ويمنع حركتها فتظل السُّفن ثوابت على ظهر الماء لا تتحرك ولا تجرى بالنّاس إلى مقاصدهم وقضاء مآربهم.
إن في ذلك الذي ذُكر من السفن المسخّرة في البحر تحت أمره وحسب مشيئته وسيرها ووقوفها بأمره - إن في ذلك - لدلالات عظيمة واضحة على قدرة الله ليعتبر بها المؤمنون الصابرون في الضراء، الشاكرون في السَّراءِ، لأَنَّ الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر.
34 - {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} :
(أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) معطوف على (يُسْكِن) في الآية السابقة.
لأنَّ المعنى: إن يشأ الله يبتلِ المسافرين في البحر بإحدى بليَّتين: إمَّا أن يُسْكن الرِّيح فتبقى السفن على متن البحر ويمتنعنَ من الجرى، وإما أن يُرْسل الرِّيح عاصفة فتهلك أهلها إغراقا بسبب ما كسب أهلها من الذّنوب، ويعف عن كثير فلا يُعاقبهم بما سبق"كشاف بتصرف"وقال بعض علماء التفسير في قوله - تعالى: (أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا) :
إنَّ المعنى: وإن يشأ الله يُرسل الريح قَويّة عاتية فتأْخذ السّفن وتُمِيلها عن سيرها المستقيم وتُصرفها ذات اليمين وذات الشمال آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة، فيهلك من فيها إغراقًا بسبب ما كسبوا من الذّنوب، وهكذا لو شاء الله لسكّن الريح فوقفت السفن، أو أثارها وأهاجها فشردت السفن وأَبقت وأههلكت مَنْ فيها ولكن من لطفه ورحمته أن يرسل الرّياح بحسب الحاجة كما يرسل المطر بقدر الكفاية. (ابن كثير بتصرف) .
وهو قريب مما قاله صاحب الكشاف.