ولو كان محمداً متعلماً يقرأ ويكتب لقالوا إنه جاء بالقرآن من عند نفسه، ولو كانت أمته أمةَ تعليم وحضارة لَقالُوا عن الإسلام قفزة حضارية يريدون أنْ يسودوا بها العالم.
فمن عظمة محمد أنْ يقول له ربه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ} [الشورى: 52] ويُرْوى أنا الخليفة المأمون قال لرجل يريد الذم: أنت أمي، فقال الرجل: إن رسول الله أمي، فقال له المأمون: الأمية في رسول الله شرف، وفيك تلف.
لذلك أمر الحق سبحانه نبيه في موضع آخر أنْ يقول:
{قُل لَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}
[يونس: 16] .
نعم أين عقولكم، فلقد لبث محمد بين أظهركم عمراً قبل الرسالة، وأنتم أدْرَى الناس به، وتعلمون أنه أُمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ولم تَرَوْهُ من قَبْلَ خطيباً ولا شاعراً، لذلك كان من غبائهم وعنادهم أن اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يعلمه القرآن، فكشف القرآن زيفهم وقال:
{لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ} [النحل: 103] .
إذن: ما نزل على محمد شيء جديد ليس من صنع بشر {مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ..} [الشورى: 52] كلمة {جَعَلْنَاهُ ..} [الشورى: 52] أي: القرآن {نُوراً ..} [الشورى: 52] ضياءً يزيح ظلام الجهل والكفر، وهذا النور هو الذي يهدي مَنْ يشاء الله له الهداية فيسير في الأرض على هدى وعلى بصيرة بحيث لا يصدم بشيء.
والتصادم يعني الخسارة والهلاك فإنِ اصطدمتَ بما هو أقوى منك حطَّمك، وإنِ اصطدمتَ بما هو أضعف منك حطمته، لذلك قلنا: إننا في واقع حياتنا لا بدّ أنْ نحتفظ بشيء من الضوء، حتى حال النوم نترك (ونَّاسة) خافتة لنهتدي بها في ظلمة الليل حتى لا نتخبط إذا قُمْنا بالليل.
ومن نور المادة نرتقي إلى نور الروح والقلب، وإلى المنهج الذي يُنير حياتنا المعنوية، هذا النور الذي قال الله عنه:
{وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} [النور: 40] .