ويجوز أن تعتبر مفردة ، فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار ، وتشرح
الصدور والأفكار.
فإن نظرت إلى مخارجها ، وجدتها قد حصل الابتداء فيها باد في وسط
الحلق إلى اللسان باسم الحاء ، وثنى بأوسط حروف الشفة وهي الميم. وحصل الرجوع إلى وسط الحلق بأقصاه من اللسان في اسم العين ، وهو جامع للحلق واللسان.
وقصد ثالثاً إلى اللسان بالسين ، الذي هو مع كونه أوسط حروف
اسمه من أدق ما يخرج منه إلى الشفتين وهو رأسه ، وله التصاق بالثنيتين
السفليين ، واتصال بأعلى الفم ، ففيه بهذا الاعتبار"حم"ثُمَّ حصل بعد هذا
الظهور بطون إلى أصل اللسان ، وهو أقصاه من الشفة بالقاف.
ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع سقف الحلق.
والاختتام بأصل الشفة العليا ، والثنيتين السفليين.
ففي هذه الحروف ثلاثة وهي أكثرها لها نظر ، بما فيها الجمع إلى
مقصود السورة وقد اتسق الابتداء فيها بما كان من حرفين ، جمعهما مخرج
بالأعلى تْم بالأدنى ، إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون ، كما كان في أول الِإسلام ، حيث حصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقاربه في الشِّعب. وفي ذلك أيضاً إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن: مَنْ زيَّن ظاهره بجميع الأعمال الصالحة ، صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة ، على أن هذا التدلي بُشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول ، كما كان أعلى من الأول ، كما كان عند الظهور من الشِّعب ، بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة ، لأن الثاني من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجاً ، فإن الحاء لها من الصفات: الهمس والرخاوة ، والاستفال والانفتاح ، والميم له من الصفات: الجهر والانفتاح ، والاستفال ، وبين الشدة والرخاوة.
والعين لها من الصفات ما للميم سواء.