وقد عد محمد بن أبي بكر الزرعي ذلك استطرادا، والاستطراد أسلوب لطيف جداً في القرآن الكريم من ذلك أن يستطرد من الشخص إلى النوع كقوله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ .. ) إلى أخره فالأول آدم والثاني بنوه.
ومن الدلالات القرآنية غير السياقية التي تؤكد هذا التفسير قوله تعالى: ... (وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) .
أما الوجه الثاني لقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) .
الإنسان هنا يمكن أن يراد به النوع كما أشار الرازي أن الإنسان شامل وولده كما ذكرنا سابقاً وهو موافق أيضاً للتفسير العلمي الحديث الذي يشير إلى أن أصل الإنسان تراب وهي المادة المكونة لجسم الإنسان مع الماء.
أما ما يفيد الحرف (ثم) في الآيتين السابقتين فمعلوم أن ثم يفيد التراخي بين المتعاطفين والفترة الزمنية بين خلق الإنسان من طين وبين تناسله عن طريق النطف يحتاج إلى وقت. وكذلك يفيد التراخي في تكوين النطفة من أصل التراب إلى أن تكون نطفة.
ثانياً: مرحلة النطفة.
وصف الماء بالدافق:
قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ* خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ... * ... يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) .
الدفق في اللغة:
عن الخليل: دفق الماء دُفوقاً ودَفقاً إذا انصب بَمَّرةٍ، وماء دافق والنطفة تدفق.
وقال ابن فارس: الدال والفاء والقاف أصل واحد مطّرد قياسه، وهو دفع الشيء قُدُما. من ذلك دفق الماء، هو ماء دافق، وهذه دفقة من الماء.
وفي اللسان: واندفق وتدَفق واستدفق انصب، وقيل أنصب بمرة فهو دافق أي مدفوق كما قالوا سر كاتم أي مكتوم، لأنه من قولك دفق الماء على ما لم يسم فاعله.