ويقول حنفي أحمد أن البروج الأجزاء الحصينة المرتفعة في البناء على كل ما عداها وقد صارت بذلك ظاهرة على ما حولها بمثابة أركان متينة في البناء تحفظ عليه تماسكه. كما أن المعلوم مما بينه تعالى أن وحدات بناء السماء هي النجوم والكواكب لذلك كان معنى قوله (جَعَل في السماء بروجا) على حسب أصل معنى البروج مرجحاً لمعنى أنه تعالى ركز بناء السماء في مواقع كثيرة منها يجعل مجاميع من الأجرام فيها. أو بعبارة أخرى يرجح أن بروج السماء إن هي إلا مجاميع مختلفة من أجرام السماء في كل منها عدد معين من الأجرام كما هو مشاهد في النجوم ليلاً.
ومما يؤدي هذا الظن أو الترجيح قوله تعالى بعد ذلك: (وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً) . أي وجعل في بروج السماء الشمس والقمر إذ المعلوم من المشاهدة أن الشمس والقمر يلازمان الأرض، وهذا يفيد أنه
تعالى جعل من بين بروج السماء مجموعة الشمس والقمر والأرض (وما قد يوجد من أجرام أخرى مثلها) .
ويرى حنفي أحمد أن الضمير في قوله (فيها) يعود على البروج وليس على السماء والظاهر عند أبي حيان أنه عائد على السماء وأنه قيل على البروج فيكون المعنى في جملتها (سراجا) .
ويرى محمد عفيفي مدلولاً آخر في قوله تعالى (بروجاً) مأخوذاً من فعل (التبرج) وهو إبداء الزينة وذكر قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) ويرى أنه مقصود أيضاً في الآية التي نتناولها.
السراج والنور:
في كثير من الآيات يصف الله تعالى الشمس بالسراج والقمر بالنور كما في هذه الآية وقوله تعالى: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً) . ووصف الشمس بأنها (سِرَاجاً وَهَّاجاً) .