ماء الخذلان والابتلاء {اهْتَزَّتْ} [فصلت: 39] بنبات الدواعي {وَرَبَتْ} [فصلت: 39] منها أشجار المعاصي والمناهي، {إِنَّ ِالَّذِي أَحْيَاهَا} [فصلت: 39] ؛ أي: أحيا النفوس الميتة {لَمُحْىِ الْمَوْتَى} [فصلت: 39] ؛ أي: القلوب الميتة يحييها بنور الإيمان، وصدق الطلب، وغلبات الشوق، وكذلك إذا وقع للعبد فترة في معاملة وغيبة من نشاط طلبه، فإذا تغمده الحق سبحانه بما يدخل على قلبه ما ماء التذكير نبت في قلبه نبات الوفاق، فيعود إلى مألوف مقام هو تعود عود تعداده غضاً طرياً، وشجر وفاقه بعد ما أصابته الجذوبة بماء العناية مستقياً، وكذلك إذا حصل لأهل العرفان وقفة، أو بدا لهم من جرَّاء سوء أدبٍ حجبةٌ، نظر الحق سبحانه وتعالى إليهم بالرعاية فاهتزت رياض أنسهم، واخضرت مشاهد قربهم، وانهزمت وفود وقفتهم {إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] من إظهار اللفطف والقهر.
وبقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} [فصلت: 40] يشير إلى إن إلحادهم عن الحق إنما كان من نتيجة خذلاننا فلا يخفى علينا سبب إلحادهم، فإن كل إنسان نكل إلى نفسه لا يصدر منه إلا إلحاد عن الحق؛ لأنها جبلت على الأمارية بالسوء، {أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ} [فصلت: 40] وهي: الطبيعة الإنسانية النفسانية الحيوانية التي هي منشأ دركات جهنم {خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [فصلت: 40] وهو منظور بنظر عنايتنا، محفوظ من شر نفسه بفضل رعايتنا، وفي قوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] إشارة إلى أن أن وكالتهم إلى هوى أنفسهم، فإنه بالطبع يهوون إلى الدرك الأسفل، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40] بأن يكون مصيركم إلى النار.