ثم أخبر عن أحوال أهل الكفر ومقالهم بقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] يشير إلى طبيعة النفوس المتمردة الأمارة بالسوء إن من شأنها: انتشار الهواجس النفسانية، وإلقاء الخواطر المنتسبة من الأوصاف الحيوانية، وإثارة الوساوس الشيطانية والهجو من الكلام، وإنشاء اللغو والباطل، وحديث النفس على الدوام اشتغالاً للقلوب بها عن استماع الإلهامات الربانية والإشارات الوحدانية؛ لعلها تغلب على القلوب والأرواح، وتسلب العقول والأفهام، ولم تعلم أن القلوب التي نورت بالإيمان وأبدت بعواطف الإحسان، والأرواح التي كوشفت بعوارف الحرمان ولطائف العيان؛ فهي التي شرفت بسماع أسرار الغيب المبرأة عن الريب، والقلوب التي هي في ظلمات جهلها لا يدخل الإيمان فيها، ولا يباشر السماع سرها.
وبقوله: {فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً} [فصلت: 27] يشير إلى أنه تعالى إذا تجلى على النفوس الكافرة يعذبها بها عذاباً شديداً يؤدي إلى إفنائها، ثم قال: {وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [فصلت: 27] ؛ أي: نجزي النفوس بسطوة نار نور التجلي عند احتراق صفاتها وإفناء ذواتها، {أَسْوَأَ} ما كانت تعمل في شغل القلوب عن استماع كلام الحق، {ذَلِكَ جَزَآءُ أَعْدَآءِ اللَّهِ} [فصلت: 28] ؛ أي: النفوس المتمردة، {النَّارُ} [فصلت: 28] نار أنوار التجلي {لَهُمْ فِيهَا} [فصلت: 28] ما يشاءون، {دَارُ الخُلْدِ} [فصلت: 28] ؛ أي: بدوام التجلي في مقام التمكن {جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا} [فصلت: 28] من شواهد الحق {يَجْحَدُونَ} [فصلت: 28] ينكرونها لئلا يصل إلى القلوب.