وبقوله: {وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا} [فصلت: 29] يشير إلى أن النفوس إذا فنيت عن أوصافها بنار أنوار التجلي، وذاقت حلاوة الشرب تلتمس من ربها اطلاعها على بقايا الأوصاف الشيطانية والحيوانية التي جبلت النفوس عليها؛ ليمكنها منها، فتجعلها تحت أقدام جهة لإفنائها فيعلوا بها إلى مقامات القرب، كما قال تعالى: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ} [الفجر: 28] وذلك قوله: {أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ} [فصلت: 29] ؛ أي: ليكونا من الأعلين إذا كانا تحت أقدامنا.
ثم أخبر عن القلوب المستقيمة والأرواح الكريمة بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ} [فصلت: 30] يشير إلى يوم الميثاق لما خوطبوا بقوله: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] ؛ أي: ربنا الله، وهم الذرات المستخرجة من ظهر آدم عليه السلام أقروا بربوبيته {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [فصلت: 30] على إقرارهم بالربوبية، تائبين على أقدام العبودية لما خرجوا إلى عالم الصورة، ولهذا ذكر بفلظه {ثُمَّ} ؛ لأنه للتراخي فأقروا في عالم الأرواح، ثم استقاموا في عالم الأشباح، وهم المؤمنون بخلاف المنافقين والكافرين، فافهم أقروا ولم يستقميوا على ذلك:
فاستقامة العوام: في الظاهر بالأوامر والنواهي، وفي الباطن بالإيمان والتصديق.
واستقامة الخواص: في الظاهر بالتجريد عن الدنيا وترك زينتها أو شهواته، وفي الباطن بالتفريد عن نعيم الجنان شوقاً إلى لقاء الرحمن، وطلب العرفان.