ولما فرغ من تقرير الآيات السماوية شرع في الدلائل الأرضية فقال {ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة} وأصل الخشوع التذلل فاستعير للأرض التي لا خضرة بها ولا نفع كما وصفها بالهمود وقد مرّ في سورة الحج ، وذلك أنها إذا اهتزت وربت أي انتفخت حين يهم النبت بالخروج منها كانت بمنزلة المختال في زيه وهي قبل ذلك كالفقير الكاسف البال المتلبس بثوب أطمار. وبعد تقرير الدلائل الباهرة ذكر وعيد الملحدين في آياته المنحرفين عن الجادة والوعيد قوله {لا يخفون علينا} وكفى به وعيداً. ثم أكده بالاستفهام على سبيل التقرير وهو قوله {أفمن يلقى} الخ. وقوله {يوم القيامة} ظرف لآمنا أو ليأتي. ثم هددهم بقوله {اعملوا ما شئتم} الخ. ثم أبدل من قوله {إن الذين كفروا بالذكر} أي القرآن لأنهم بكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا معانيه ، وعلى هذا فالخبر هو ما تقدم من قوله {لا يخفون} وإنه كلام مستأنف. وعلى هذا فاختلفوا في خبر"إن". فالأكثرون على أنه {أولئك ينادون} وما بينهما اعتراض من تتمة الذكر. وقيل: خبره ما يقال إذ التقدير ما يقولون لك. وقيل: هو محذوف. ثم اختلفوا فقال قوم: إن الذين كفروا بالذكر كفروا لما جاءهم. وقال آخرون: هلكوا أو يجازون بكفرهم ونحو ذلك ، وهذا يمكن تقديره بعد قوله {لما جاءهم} وبعد قوله {من خلفه} وبعد قوله {حميد} والعزيز معناه الغالب القاهر بقوة حجته على ما سواه من الكتب ، والمراد أنه عديم النظير لأن الأولين والآخرين عجزوا عن معارضته. ثم أكد هذا الوصف بقوله {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} قال جار الله: وهو تمثيل أي لا يتطرق البطلان إليه بجهة من الجهات فلا ينقص منه شيء ولا يزاد عليه شيء.