{قَالَ يانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [هود: 46] .
فالبنوة هنا والأهلية ليست للنسب والدم، إنما للدين وللمنهج وللعقيدة، بنوة عمل صالح واتباع.
فالجماعة الذين صادموا الإسلام وحاربوه كانوا يدافعون عن سيادتهم ومكانتهم في الجزيرة العربية؛ لذلك تكتَّلوا واتحدوا ضد رسول الله ومَنِ اتبعه من المؤمنين، ورأينا ذلك في الحصار الذي ضربوه على رسول الله في الشِّعْب، وكيف أنهم أغلقوا عليهم كل المنافذ، وقطعوا دونهم كل سُبُل العيش حتى اضطروا لأكل الميتة وورق الشجر.
ثم حاولوا أن يقتلوا رسول الله أكثر من مرة، وآذوه أشد الإيذاء في نفسه وفي أهله وفي صحابته، لكن هيهات لهم أن ينالوا من رسول الله، وهو بعين الله وفي حفظه وكلاءته، وكأن الحق سبحانه أراد أن يقول لهم: إياكم أنْ تفهموا أن محاولاتكم هذه ستعوق أمر الدعوة في الجزيرة العربية، إن أمر الدعوة سينتشر لا في الجزيرة وحدها، إنما في كل آفاق الدنيا {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ} [فصلت: 53] .
وكانت دعوة الإسلام مؤهلة لهذا الانتشار من عدة جوانب.
أهمها: أن العرب أمة حروب وقتال بطبيعتها لا تحتاج إلى تدريب، لذلك لما أراد رسول الله أنْ يحارب لم ينشئ كلية حربية ولا درَّب أحداً على فنون القتال، بل وجد قوماً جاهزين للقتال، خبراء بفنونه وأساليبه، كان الواحد منهم كلما سمع هيعة طار إليها، ذلك لأن القبائل العربية كما تعلمون كانوا في قتال مستمر، ومن الحروب بينهم ما استمر أربعين سنة.
ثانياً: كان العرب أهل ترحال وتنقل، لا يعرفون التوطن ولا الاستقرار، فبيت العربي على ظهر جملة يضربه أينما حَلَّ وحيثما وُجد الماء والكلأ، فعدم تعلّق العربي بموطن جعله مستعداً لأنْ يسيح بالإسلام في كل آفاق الدنيا وكل أرجاء العالم.
ولم تكُنْ مصادفة أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمياً في أٌمّة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكُنْ لها ثقافة ولا حضارة. وهذه الصفات كلها وإنْ كانت عيوباً في الأمم الأخرى إلا أنها في أمة الإسلام وفي نبي الإسلام شرفٌ وميْزة، ولو كان العرب أمة علوم وثقافة وأمة حضارة ورُقيٍّ لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية.