فأنزل الله - عز وجل -: وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ.
فالآية الكريمة تنعى على المشركين جهالاتهم الفاضحة، حيث ظنوا أن الله - تعالى - لا يعلم الكثير من أعمالهم، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن الله - تعالى - معهم، ولا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم، وأنه - سبحانه - يعلم السر، وأخفى ورحم الله من قال:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ... خلوت. ولكن قل: على رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما يخفى عليك، يغيب
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة ظن هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ.
وذلِكُمْ اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق، وهو مبتدأ، وقوله أَرْداكُمْ خبره.
أي: وذلكم الظن الذي ظننتموه بربكم، وهو أنه - سبحانه - لا يعلم كثيرا مما تعملونه سرا، هذا الظن أَرْداكُمْ أي: أهلككم، يقال ردى فلان - كصدى - إذا هلك فَأَصْبَحْتُمْ أيها الكافرون من الخاسرين لكل شيء في دنياكم.
فَإِنْ يَصْبِرُوا عن العذاب فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ أي: فالنار هي المكان المعد لثوائهم فيه، ولبقائهم به بقاء أبديا. يقال: ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة. وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي: وإن يطلبوا الرضا عنهم، فما هم من المرضى عنهم، وإنما هم من المغضوب عليهم، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن نعيدهم
إلى الدنيا، فما هم من المجابين إلى ذلك.
قال القرطبي: وأصل الكلمة من العتب - بفتح العين وسكون التاء - وهي الموجدة، يقال: عتب عليه يعتب - كضرب يضرب - إذا وجد عليه. فإذا فاوضه فيما عتب عليه فيه، قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب. والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرى العاتب قال الشاعر:
فإن أك مظلوما فعبدا ظلمته ... وإن تك ذا عتبى فمثلك يعتب