ومعنى الآية: أي واذكر يا محمد لقريش المعاندين لك، حال الكفار يوم القيامة، لعلهم يرتدعون ويزدجرون حين يساقون إلى النار، فيحبس أولهم على آخرهم، ليتلاحقوا ويجتمعوا، حتى إذا وقفوا على النار .. شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجوارحهم بما كانوا يعملون في الدنيا من المعاصي، بعلامات متمايزة، تدلّ على الأخلاق المختلفة، لكل خلق منها علامة خاصة، نحن لا نعرف الآن كنهها، وربما كانت سوائل روحيةً، كل سائل يدل على خلق من الأخلاق، كما يكون في أنواع النبات والشجر روائح مختلفة، فالعلم والحلم والنشاط وحب الناس لها سوائل جميلة، والجهل والطيش والكسل وبغض الناس لها سوائل رديئة، وتلك السوائل تلازمهم، فتكون مشقيةً لهم، ومضايقةً أو مفرحةً لهم ومنعمةً، وهكذا الأجسام بعد الموت لا تشبه نفس نفسًا أخرى في أوصافها، فهذه هي الشهادة التي تشهد بها أسماعهم وأبصارهم وجلودهم، هكذا قيل في تفسير الشهادة، والراجح أنها بإنطاق الله إياها.
21 -ثم ذكر سبحانه أنهم لاموا جوارحهم على أداء الشهادة التي تلزمهم الحجة، فحكى عنهم قولهم لها {وَقَالُوا} ؛ أي: الكفرة {لِجُلُودِهِمْ} توبيخًا لها: {لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا} ؛ أي: وقالوا على جهة اللوم والمؤاخذة لجلودهم حين شهدوا عليهم: لم شهدتم علينا، وقد كانوا في الدنيا مساعدين لهم على المعاصي، فكيف يشهدون عليهم الآن. وقرأ زيد بن علي {لم شهدتنّ} بضمير المؤنثات.
وصيغة جمع العقلاء في خطاب الجلود، وكذا في قوله تعالى: {قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ} إلخ، لوقوعها في موقع السؤال والجواب المختصين بالعقلاء، ولعلّ تخصيص الجلود لأنها بمرأى منهم، بخلاف غيرها، أو لأنّ الشهادة منها أعجب وأبعد، إذ ليس شأنها الإدراك بخلاف السمع والبصر.