ثم بين الغاية التي من أجلها نزل العذاب فقال: {لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} ؛ أي: لكي نذيقهم بسبب ذلك الاستكبار عذاب الذل والهوان {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وقرئ: {لتذيقهم} بالتاء، وقال الزمخشري: أسنادًا للإذاقة إلى الريح، أو للأيام النحسات، وإضافة العذاب إلى الخزي: من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة على طريق التوصيف بالمصدر للمبالغة؛ أي: العذاب الخزي؛ أي: الذليل المهان على أنّ الذليل المهان في الحقيقة أهل العذاب لا العذاب نفسه {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ} ؛ أي: وعزتي وجلالي لعذاب الآخرة {أَخْزَى} ؛ أي: أذل وأزيد خزيًا، وأشد إهانةً من عذاب الدنيا، وهو في الحقيقة أيضًا وصف للمعذّب، وقد وصف به العذاب على الإسناد المجازي لحصول الخزي بسببه {وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ} بدفع العذاب عنهم بوجه من الوجوه، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ أي: لا يمنعون من العذاب النازل بهم، ولا يدفعه عنهم دافع، لأنهم لم ينصروا الله ودينه، وأما المؤمنون فإنهم وإن كانوا ضعفاء .. فقد نصرهم الله تعالى، لأنهم نصروا الله ودينه، فعجبًا من القوة في جانب الضعف، وعجبًا من الضعف في جانب القوة، وفي الحديث:"إنكم تنصرون بضعفائكم"؛ أي: الضعفاء الداعين لكم بالنصرة، وقال خالد بن برمك: اتقوا مجانيق الضعفاء؛ أي: دعواتهم.
يقول الفقير: إنما عذّبت بريح صرصر، لأنهم اغتروا بطول قاماتهم، وعظم أجسادهم، وزيادة قوّتهم، فظنّوا أنّ الجسم إذا كان في القوة والثقل بهذه المرتبة .. فهو يثبت في مكانه. ويستمسك، ولا يزيله عن مقرّه شيء من البلاء، فسلّط الله عليهم الريح، فصارت أجسامهم كريشة في الهواء.