الثَّالِثُ: أَنَّ الْأَرْضَ جِسْمٌ فِي غَايَةِ الْعِظَمِ، وَالْجِسْمُ الَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنْ أَوَّلِ دُخُولِهِ فِي الْوُجُودِ يَكُونُ مَدْحُوًّا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِأَنَّهَا مَا كَانَتْ مَدْحُوَّةً، ثُمَّ صَارَتْ مدحوة قول باطل، وَالَّذِي جَاءَ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ فِي مَوْضِعِ الصَّخْرَةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهُوَ كلام مشكل لأنه إن كانت الْمُرَادُ أَنَّهَا عَلَى عِظَمِهَا خُلِقَتْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَهَذَا قَوْلٌ بِتَدَاخُلِ الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ خَلَقَ أَوَّلًا أَجْزَاءً صَغِيرَةً فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ثُمَّ خَلَقَ بَقِيَّةَ أَجْزَائِهَا، وَأُضِيفَتْ إِلَى تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الَّتِي خُلِقَتْ أَوَّلًا، فَهَذَا يَكُونُ اعْتِرَافًا بِأَنَّ تَخْلِيقَ الْأَرْضِ وَقَعَ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَخْلِيقِ السَّمَاءِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا حَصَلَ تَخْلِيقُ ذَاتِ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ وَتَخْلِيقُ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأرض في يومين آخرين وتخليق السماوات فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ كَانَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَإِذَا حَصَلَ دَحْوُ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ هَذَا الدَّحْوُ فِي زَمَانٍ آخَرَ بَعْدَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ، فَحِينَئِذٍ يَقَعُ تَخْلِيقُ السماوات وَالْأَرْضِ فِي أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَيَّامٍ وَذَلِكَ بَاطِلٌ.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) كِنَايَةٌ عَنْ إِيجَادِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَوْ تَقَدَّمَ إِيجَادُ السَّمَاءِ عَلَى إِيجَادِ الْأَرْضِ لَكَانَ قَوْلُهُ (ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) يَقْتَضِي إِيجَادَ الْمَوْجُودِ وَأَنَّهُ مُحَالٌ بَاطِلٌ.
فَهَذَا تَمَامُ الْبَحْثِ عَنْ هَذَا الْجَوَابِ الْمَشْهُورِ.
* وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ خلق السماوات مُقَدَّمٌ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ، بَقِيَ أَنْ يُقَالَ كَيْفَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ؟