قيل: أحياهم الله بعد أن أماتهم ، وقيل: جمعهم بعد تفرقهم ، وقيل: غيرهم مثلهم ، ثم زاده مثلهم معهم ، وهو معنى قوله: {وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} فكانوا مثلى ما كانوا من قبل ابتلائه ، وانتصاب قوله: {رَحْمَةً مّنَّا وذكرى لأوْلِى الألباب} على أنه مفعول لأجله ، أي: وهبناهم له لأجل رحمتنا إياه ، وليتذكر بحاله أولو الألباب ، فيصبروا على الشدائد كما صبر ، وقد تقدّم في سورة الأنبياء تفسير هذه الآية مستوفى ، فلا نعيده.
{وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} معطوف على {اركض} ، أو على {وهبنا} ؛ أو التقدير ، وقلنا له: {خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً} ، والضغث: عثكال النخل بشماريخه ، وقيل: هو قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها ، وقيل: الحزمة الكبيرة من القضبان ، وأصل المادّة تدلّ على جمع المختلطات.
قال الواحدي: الضغث: ملء الكفّ من الشجر ، والحشيش ، والشماريخ {فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} أي: اضرب بذلك الضغث ، ولا تحنث في يمينك ، والحنث: الإثم ، ويطلق على فعل ما حلف على تركه ، وكان أيوب قد حلف في مرضه أن يضرب امرأته مائة جلدة.
واختلف في سبب ذلك ، فقال سعيد بن المسيب: إنها جاءته بزيادة على ما كانت تأتيه به من الخبز ، فخاف خيانتها ، فحلف ليضربنها.
وقال يحيى بن سلام ، وغيره: إن الشيطان أغواها أن تحمل أيوب على أن يذبح سخلة تقرّباً إليه ، فإنه إذا فعل ذلك برئ ، فحلف ليضربنها إن عوفي مائة جلدة.
وقيل: باعت ذؤابتها برغيفين إذ لم تجد شيئاً ، وكان أيوب يتعلق بها إذا أراد القيام ، فلهذا حلف ليضربنها.
وقيل: جاءها إبليس في صورة طبيب ، فدعته لمداواة أيوب ، فقال: أداويه على أنه إذا برئ قال: أنت شفيتني ، لا أريد جزاء سواه ، قالت: نعم ، فأشارت على أيوب بذلك ، فحلف ليضربنها.
وقد اختلف العلماء هل هذا خاصّ بأيوب ، أو عامّ للناس كلهم؟ وأن من حلف خرج من يمينه بمثل ذلك.