وروى هو وابن أبي شيبة، والإمام أحمد في"الزهد"، والبخاري في"الأدب"عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه: أنه مرَّ على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه، فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه خير له من أن يأكل من لم رجل مسلم.
وتمثيل الغيبة بأكل لحم الميت وقع في قوله تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} [سورة الحجرات: 12] .
ولقد عجبت من كثير من العلماء يقولون: إنَّ أكل لحم الميتة لغير المضطر كبيرة، ثم يتوقف في أن الغيبة كبيرة أو يقول: هي صغيرة، وقد ساوى الله تعالى في كتابه بينهما، ولا يفهم من الآية كون أكل الميتة أخف
من الغيبة، وإنما هو منصوص عليه في الحديث والأثر.
ووجهه أن لم ميتة يُباح للمضطر بخلاف الغيبة؛ فإنَّ أكل لحم الميتة ذنب بين العبد وبين الله تعالى، فهو من ظلم النفس الذي يُرجى أن يغفر، والغيبة بين العبد وبين أخيه فهو من المظلمة التي لا تترك.
ومن وجه من جعلها صغيرة لكثرة دورانها على الألسنة وتنازع ألسنة الناس إليها.
يرد عليه أنَّ الناس قد تنازعت ألسنتهم إلى التقاذف والفتن، ولا قائل بأنَّ ذلك صغيرة، ولا بأنَّ ذلك يصير بالتهافت فيه صغيرة.
وروى عبد الرزاق، والطبراني في"الكبير"عن نوفل بن معاوية، عن أبيه - رضي الله عنه: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُم أهلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَفُوتَهُ وَقْتُ صَلاةِ العَصْرِ"؛ أي: ولم يُصَلِّها.
ويقال: وتره ماله - بالمثناة: إن نقصه إياه.
والمعنى: إنَّ نقصان مال المرء وأهله خير له من فوات الصلاة؛ لأنَّ في نقصان المال والأهل ثواب الصبر، واحتمال مشقة البلاء، ثم قد يجمع شمله بهم في الآخرة بخلاف فوات الصلاة؛ فإنَّ فيه فوات ثوابها ولا عوض منه.