ولو قيل: إنَّ الألف واللام في الحديث للعهد، وإن المراد بالربعة هو - صلى الله عليه وسلم - لم يبعد.
وكذلك ينبغي أن تعلم أن خير ما يكون العبد إذا كان كهلاً في سن الأربعين.
ومن هنا تنبأ بها الأنبياء عليهم السلام.
وإذا بلغ المرء الأربعين ولم يعتدل، دلَّ ذلك على فساد مزاجه
وسوء خلقه، ومن ثم قيل: إذا بلغ الإنسان الأربعين ولم يغلب خيره على شره فليتجهز إلى النار.
وروى أبو يعلى، والطبراني في"الكبير"عن واثلة، والبيهقي في"الشعب"عن أنس، وعن ابن عباس، وابن عدي في"الكامل"عن ابن مسعود - رضي الله عنهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"خَيْرُ شَبَابِكُم مَنْ تَشَبَّهَ بِكُهُولكُم، وَشَرُّ كُهُولكُم مَنْ تَشَبَّبَ".
وسيأتي الكلام على ذلك في موضع مبيناً إن شاء الله تعالى.
وروى الإمام أحمد في"الزهد"عن أبي المِنهال رحمه الله قال: ما جاور العبد في قبره جارٌ خيرٌ له من استغفار كثير.
وروى ابن ماجه، وابن حبان في"صحيحه"عن أبي قتادة - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"خَيْرُ مَا يَخْلُفُ الإنْسَانَ مِنْ بَعْدِهِ ثَلاثٌ؛ وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، وَصَدَقَةٌ تَجْرِي يَبْلُغُهُ أَجْرُهَا، وَعِلْمٌ يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ بَعْدِهِ".
قلت: وهذا الخير المخلف بعده هنا غير الخير المتروك في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [سورة البقرة: 180] ؛ فإنَّ الخير في الآية هو المال، أو المال الكثير.
وقد روى ابن أبي شيبة، والمفسرون، وغيرهم، وصححه الحاكم، عن عروة: أنَّ علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - دخل على مولى لهم في الموت وله سبعمئة درهم، أو ستمئة درهم، فقال: ألا أوصي؛ قال: لا، إنَّما قال الله تعالى: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [سورة البقرة: 180] ، وليس لك كثير مال، فدع مالك لورثتك.