وروى ابن أبي الدنيا عن أبي عمران الجون لي رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن الملائكة عليهم السلام تصف لكتبها في السماء الدنيا كل عشية بعد العصر، فينادي الملك:"ألق تلك الصحيفة"، وينادي الملك:"ألق تلك الصحيفة"، قال: فيقولون:"ربَّنا! قالوا خيراً وحفظناه عليهم"، قال: فيقول:"إنهم لم يريدوا به وجهي، وإني لا أقبل إلا ما أُريد به وجهي"، قال: وينادي الملك الآخر:"اكتب لفلان بن فلان كذا وكذا"، قال: فيقول:"يا رب! إنه لم يعمله، يا رب! إنه لم يعمله"قال: فيقول:"إنه نواه، إنه نواه".
إن] حسن النية يؤول إلى خير في الدنيا كما يؤول إلى خير في
الآخرة، ومن هنا قيل: العبد محمول على نيته، فكثيراً ما ينوي العبد الخير فيرى الخير، وينوي الشر فيرى الشر.
ثم إنَّه] يثني عليه بما في نيته فربَّ عامل خير يثنى عليه بشر ثناء لأن نيته السوء، ورب مقصر في أعمال الخير يثنى عليه بخير ثناء لأن نيته الخير، فليس كل عمل مقبولاً عند الله ولا مطلقة به ألسنة عباده، ومن ثم قال الله تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [سورة التوبة: 105] ؛ أي: فسيرى الله عملكم المقصود منكم، الموافق لحقيقة ما في سرائركم.
وقال تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [سورة الإسراء: 84] .
قال الحسن: أي: على نيته. رواه هناد بن السري، وابن المنذر.
والمعنى: أنَّ عمل كل عامل على مقدار شاكلته ونيته في جزائه عند الله تعالى فيما يظهره الله تعالى من حاله على ألسنة الناس، وبهذا الطريق يُطلق الله ألسنة الناس بالثناء على العبد.
وروى الإمام أحمد، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن حبان في"صحيحه"، والحاكم وصححه، والبيهقي في"الشعب"عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لَو أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ"
صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِناً مَا كَان"؛ أَيْ: مِنْ خَيْرٍ أَو شَرٍّ."