أي هذا نعيم، وملك مقيم، وشرف وعلو مرتبة، والجملة التي بعدها ليس لها موضع من الإعراب؛ لأنها واردة على جهة الابتداء، ولهذا جاءت متصلة بها، لتدل على تأكيدها، وقد يجيء بعدها جملة حالية، وهذا كقولك لمن يفشل ويضطرب حاله وينزعج قبل ملابسة الحرب: «هذا ولم تشجر الرماح» ، ولا وقعت المكافحة بالصفاح، ومثل قولك لمن لا ثبات له في الأمر الذي يحاوله، ولا ترسخ قدمه عند مشارفة ما هو بصدده: «هذا ولم يطر الذباب» ، والمعنى هذا حالك إذا كلمتك شفارها، وأصابك لهبها وشرارها.
(هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ(55)
وقد تدخل الاستعارة في أسماء الإشارة كقوله تعالى: (هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ)
فقوله: (هذا) استعارة لأنه إنما يستعمل حقيقة فيما كان قريبا مشارا إليه، فالمجاز في الإشارة داخل ههنا فيما يعرض من أحواله في القرب والبعد، فلا يكون مناقضا لما أسلفناه من أن أسماء الإشارة لا يدخلها المجاز، فإنما تعذر المجاز فيها من حيث الإطلاق، وقد تدخل الاستعارة في الأفعال، كقولك: نطقت الحال بكذا، لأن الحال غير ناطقة، وإنما يكون النطق حقيقة من الإنسان وغيره، فهذه الاستعارة فيها من جهة مفعولاتها كما قال: فلان أظهر العلوم بعد خفائها، ورفع المجد بعد انخفاضه، قال ابن المعتز:
جمع الخلق لنا في إمام ... قتل البخل وأحيى السماحا
وكقول الحريري:
وأقر المسامع إما نطقت ... بيانا يقود الحرون الشموسا
(قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)
(مما ورد من كلام أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في ذكر إبليس وإغوائه لآدم - عليه السلام -)
قال: ثم إن إبليس اعترته الحمية، وغلبت عليه الشقوة وتعزز بخلقة النار، واستوهن خلق الصلصال، فأعطاه الله النّظرة استحقاقا للسخطة، واستتماما للبلية، وإنجازا للعدة فقال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)
فلما أسكنه جنته، وحذره إبليس وعداوته، فاغتره إبليس نفاسة عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكه، والعزيمة بوهنه، واستبدل بالجذل وجلا، وبالاغترار ندما، ثم بسط الله سبحانه له في توبته، ولقاه كلمة رحمته ووعده المرد إلى جنته، وأهبطه إلى دار البلية وتناسل الذرية. انتهى انتهى {الطراز لأسرار البلاغة، للمؤيد بالله} ...