هو عليه ، كأولئك الذين يتظاهرون أنّهم يؤدون الزكاة ، فيجيئون بفقير يعطونه شيئا من المال ، وقد تواضعوا على أن يهبه لهم ، ثم وثم ، حتى ينتهي ما عليهم من الزكاة ، عدّا على الفقير ، وهبة من الفقير لهم.
ومثل آخر ذلك الذي أسماه الحنفية إسقاط الصلاة ، وقاسوها على الحج عن الغير ، وعلى فدية الصوم ، ولسنا نريد أن نقول لهم شيئا في القياس والجامع والفارق ، وإنما هو شيء أوجدوه ، قصدوا منه الإحسان إلى الفقراء ، ثم أجازوا الحيلة في إسقاط ما يسقط الصلاة ، فقالوا: يعطى الفقير نصف صاع ، ثم يهبه ، وتتكرّر العملية بعدد الصلوات المتروكة ، أو بعدد الأيام المتروكة ، فيكونون قد أحسنوا إلى الفقراء ، وتسقط الصلاة عن ميتهم.
وهناك أمثلة كثيرة ، فقد أدخلوا الحيلة في كلّ شي ء: أدخلوها في التحليل في المطلق ثلاثا ، وأدخلوها في الزكاة ، وفي الاستبراء ، وفي كفارة الصيام. وما ندري لما ذا شرعت الأحكام بعد إذ جاءت الحيل ، وانفتح بابها لعدم التزام الأحكام ، وللعلماء آراء في مشروعية الحيلة ، فبعضهم يمنعها مطلقا ، وبعضهم يجيزها مطلقا ، وبعضهم يقول: إن عطلت مصلحة شرعية كالتحيّل في الزكاة لا تقبل ، وإلا قبلت.
ونحن ننقل لك طرفا من أدلة المجيزين وأدلة المانعين عن العلّامة ابن القيم رحمه اللّه قال:
قال أرباب الحيل: قد أكثرتم من ذمّ الحيل ، وأجلبتم بخيل الأدلة ورجلها ، وسمينها ومهزولها ، فاستمعوا الآن تقريرها ، واشتقاقها من الكتاب والسنة ، وأقوال الصحابة وأئمة الإسلام ، وأنّه لا يمكن لأحد إنكارها.
قال اللّه تعالى لنبيه أيوب: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ فأذن لنبيه أيوب أن يتحلّل من يمينه بالضرب بالضّغث ، وقد كان نذر أن يضربها ضربات معدودة. وهي في المتعارف الظاهر إنما تكون متفرقة ، فأرشده تعالى إلى الحيلة في خروجه من اليمين ، فنقيس عليه سائر الباب ، ونسميه وجوه المخارج من المضائق ولا نسميه بالحيل التي ينفر الناس من اسمها.
وأخبر تعالى عن نبيه يوسف عليه السلام أنّه جعل صواعه «1» في رحل أخيه ، ليتوصل بذلك إلى أخذه من إخوته ، ومدحه بذلك ، وأخبر أنّه برضاه وإذنه ، كما قال:
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف: 76] .
(1) إناء يشرب فيه ، انظر لسان العرب لابن منظور (8/ 215) مادة صوع. []