وأنكر بعض المحققين هذه القصة. وقال: لا يصح ما نقله الإخباريون وأهل التفسير في هذا الموضع، من تشبُّه الشيطان بنبيه، وتسلُّطه على ملكه، وتصرُّفه في أمته والجور في حكمه) «1» .
قال القاضي عياض: الشياطين لا يتسلطون على مثل هذا، وقد عصم الله الأنبياء عن مثله. ومثله لا بن العربي أيضاً. وحكى إنكاره عن السمرقندي.
وقال الطيبي: أشبه الأقاويل في إلقاء الجسد هو شق الولد، كما تقدّم. وخالفه ابن حجر، فقال: قال غير واحد من المفسرين: أن المراد بالجسد المذكور شيطان، وهو المعتمد، فالله أعلم، غير أن التنزيه أسلم.
قال شيخ شيوخنا الفاسي في حاشيته: وليس هذه كقصة أيوب، فيما يذكر أنه تسلّط الشيطان على إتلاف ماله وولده، وضرره في جسده لأن ذلك إنما فيه تسلُّط على محض ضرر دنيوي لا دينى. وقد قال عليه الصلاة والسّلام: «تفلت عليّ البارحة عفريتٌ ... » الحديث) «2» . وكذا سُحر، وسُمّ وشُجّ. والتسلُّط المذكور في حق سليمان، فيه تلبيس في الدين فلا يصح، إلا أن يقال: إنه لم يقر، بل رُفع اللبس بعد ذلك، كما في آية: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) والله أعلم. اهـ.
(1) قال النّسفى - رحمه الله - في تفسيره (3/ 156) : وأما ما يروى من حديث الخاتم، والشيطان، وعبادة الوثن في بيت سليمان عليه السّلام، فمن أباطيل اليهود. وقال في البحر المحيط (7/ 381) : نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا، يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها، وإما هي من أوضاع اليهود والزنادقة. للمزيد انظر تفسير ابن كثير (4/ 36) والإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (270 - 275) .
(2) ولفظه كاملا: «إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة، ليقطع عليّ الصلاة، فأمكننى الله منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سوارى المسجد، تنظروا إليه كلكم. فذكرت دعوة أخى سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فرددته خاسئا» أخرجه البخاري في (الأنبياء، باب قوله تعالى:(وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ح 2423) ومسلم في (المساجد، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة والتعوذ منه. 1/ 384 ح 541) من حديث أبى هريرة رضي الله عنه.