الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي: اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العنق أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم منه ألبتة من المسح العقر والذبح.
الثاني: أن القائلين بهذا القول أجمعوا على أن لسليمان عليه السلام أنواعاً من الأفعال المذمومة فأولها: ترك الصلاة.
وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا حتى نسي الصلاة وقال صلى الله عليه وسلم «حب الدنيا رأس كل خطيئة»
وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة
والإنابة ألبتة.
ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ردوها علي وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها: أنه اتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذبح الحيوان إلا لأكله، وهذه أنواع من الكبائر ينسبونها إلى سليمان عليه السلام مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها، وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقب قوله: {وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} وأن الكفار لما بالغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم {اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود} ثم ذكر عقبه قصة سليمان عليه السلام فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ} الآية والتقدير: أنه تعالى قال لمحمد صلى الله عليه وسلم يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان، وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: إن سليمان عليه السلام أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من قصة سليمان عليه السلام في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً.