* قَوْلُهُ تَعَالَى: (قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) فِيهِ الْفَتْوَى فِي النَّازِلَةِ بَعْدَ السَّمَاعِ مِنْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ بِظَاهِرِ هَذَا الْقَوْلِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ، وَلَا فِي مِلَّةٍ مِنَ الْمِلَلِ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِلْبَشَرِ.
وَإِنَّمَا تَقْدِيرُ الْكَلَامِ أَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ ادَّعَى وَالْآخَرَ سَلَّمَ فِي الدَّعْوَى، فَوَقَعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الْفَتْوَى.
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ فَلَا تقضى لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ) وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ لَمْ يَقْضِ لِلْآخَرِ حَتَّى اعْتَرَفَ صَاحِبُهُ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ لَقَدْ ظَلَمَكَ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِتَعْيِينِ مَا يُمْكِنُ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ.
قُلْتُ: ذَكَرَ هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ الْقُشَيْرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَقَوْلُهُ: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَ الْخَصْمِ مُشْكِلٌ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا بَعْدَ مُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ الْآخَرِ وَبَعْدَ اعْتِرَافِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ هَذَا وَإِنْ لَمْ تَثْبُتْ رِوَايَتُهُ، فَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ قَرَائِنِ الْحَالِ، أَوْ أَرَادَ لَقَدْ ظَلَمَكَ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَقُولُ، فَسَكَّتَهُ بِهَذَا وَصَبَّرَهُ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ خَصْمَهُ.
قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ مِنْ شَرْعِهِمُ التَّعْوِيلُ عَلَى قَوْلِ الْمُدَّعِي عِنْدَ سُكُوتِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إِنْكَارٌ بالقول.
وقال الْحَلِيمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي كِتَابِ مِنْهَاجِ الدِّينِ لَهُ: وَمِمَّا جَاءَ فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ الْمُنْتَظَرَةِ إِذَا حَضَرَتْ، أَوْ كَانَتْ خَافِيَةً فَظَهَرَتِ: السُّجُودُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ وَالْأَصْلُ فِي ذلك قول عَزَّ وَجَلَّ: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ)
إِلَى قَوْلِهِ: (وَحُسْنَ مَآبٍ) .