والثاني: وإن اهتديت إلى دينه وهدايته فبتوفيقه إياي وعصمته اهتديت، أضاف الهداية إلى اللَّه والضلال إلى نفسه، فهو لما ذكرنا أن كان من اللَّه إليه لطف في ذلك ليس ذلك في الضلال، وعلى قول المعتزلة يجيء أن يكون المعنى فيها واحدًا؛ لأنهم يقولون: إنه لا يكون من اللَّه سوى الأمر، والنهي؛ فلا يكون منه إليه في الهداية إلا كما كان منه إليه في الضلال، واللَّه أعلم.
وقوله: (إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (سَمِيعٌ) . أي: مجيب للداعي؛ كقوله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ...) الآية. وقَالَ بَعْضُهُمْ: (سَمِيعٌ) لمقالتكم لمُحَمَّد، حيث قالوا له: لقد ضللت حين تركت دين آبائك، (قَرِيبٌ) ، أي: مجيب له.
وقيل: (سَمِيعٌ) الدعاء (قَرِيبٌ) الإجابة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: وذلك أنهم بعثوا بعثين قاصدين تخريب الكعبة، فلما بلغوا البيداء خسف أحدهما والآخر ينظر وينفلت منهم مخبر، فيحول وجهه في قفاه فيخبرهم بما لقوا؛ وذلك قوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا) من الخسف والعذاب (فَلَا فَوْتَ) عن عذاب الله (وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ) .
أو من تحت أقدامهم يخسف بهم الأرض؛ وعلى ذلك يخرج قوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) ، من تخريب الكعبة كما فعل بأشياعهم من قبل، وهم أصحاب الفيل؛ وعلى ذلك روي عن أم سلمة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"أنه يغزو هذا البيت جيش حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فلا ينفلت منهم إلا واحد يخبر عنهم"، قالت: يا رسول اللَّه، وإن كان فيهم المكرَه؟ قال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"يبعثون على نياتهم".