فالجواب أنه أمر بالاستدامة على التقوى كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا} [النساء: 136] أي أثبتوا على الإيمان ، وقوله: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] بمعنى ثبتنا على الصراط المستقيم .
وقيل: إن الأمر خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم موجه إليه في الظاهر . والمراد به أمته ، بدليل صيغة الجمع التي ختمت بها الآية الكريمة {إن الله كان بما تعملون خبيرا} .
قال الإمام الفخر رحمه الله:"الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور ، بالمأمور به ، إذ لا يصلح أن يقال للجالس: اجلس ، وللساكت: اسكت ، والنبي عليه السلام كان متقيا لله فما الوجه فيه؟ فالجواب من وجهين:"
أحدهما: أنه أمر بالمداومة ، فإنه يصح أن يقول القائل للجالس: اجلس هاهنا إلى أن أجيئك ، ويقول الفائل للساكت: قد أصبت فاسكت تسلم ، أي دم على ما أنت عليه .
والثاني: أن النبي عليه السلام كل لحظة كان يزداد علمثه ومرتبته ، فكان له في كل ساعة تقوى متجددة . فقوله: (اتق الله) يراد منه الترقي الدائم ، فحاله فيما مضى كأنه بالنسبة إلى ما هو فيه ترك للأفضل ، فناسب الأمر به صلى الله عليه وسلم بالتقوى .
اللطيفة الثالثة: السر في تقديم القلبين في قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين} على بقية الأمور التي كان يعتقد بها أهل الجاهلية ، هو أنه بمثابة ضرب مثل ، والمثل ينبغي أن يكون أظهر وأوضح فهناك أمور ثلاثة باطلة هي من مخلفات الجاهلية ، فكون الرجل له قلبان أمر لا حقيقة له في الواقع ، وجعل (المظاهر) منها أما أو كالأم في الحرمة المؤبدة من أمر لا حقيقة له في الواقع ، وجعل (المظاهر) منها أما أو كالأم في الحرمة المؤبدة من مخترعات الجاهلية ، وجعل (المتبنى) بانا في جميع الأحكام مما لا يقره شرع .