والشيء الذي شهد الله عليه لا يحتاج إلى قضاء ، لكن لماذا أخذ الله هذا العهد؟ قالوا: لأن الذي لا يؤمن بإله ليس لديه دين يتعصَّب له حين يأتي رسول جديد ، لكن من الصَّعب على الإنسان أن يكون له دين ، ثم يأتي رسول جديد ليزحزحه عن دينه ، وهنا تكمن المشقة التي يعانيها الرسل .
لذلك قال الله تعالى للرسل: من تمام ميثاقكم أن تقولوا لأقوامكم إذا جاءكم رسول مُصدِّق لما معكم لتُؤمنن به ولتنصرنه ، ثم أقررهم على ذلك ، وأشهدهم عليه فشهدوا ، والمعنى: إياكم أن تتركوا أممكم التي تؤمن بكم بدون أنْ تضعوا لهم هذه القاعدة ، ففيها الوقاية لهم .
ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيَسْئَلَ الصادقين عَن ...} .
اللام هنا في {لِّيَسْأَلَ . .} [الأحزاب: 8] لام التعليل ، فالمعنى أننا أخذنا من النبيين الميثاق ، لكن لن نتركهم دون سؤال {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ...} [الأحزاب: 7] لماذا؟ {لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ . .} [الأحزاب: 8] لكن إذا كان المبلِّغ صادقاً ، فكيف يسأل عن صدقه؟
سؤال الصادق عن صِدْقه ليس تبكيتاً للصادق ، إنما تبكيتاً لمن كذَّب به ، سنسأل الرسل: أبلغتم هؤلاء؟ ويقول تعالى: {يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ...} [المائدة: 109] ويسأل الله القوم: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا ...} [الأنعام: 130]
فالاستفهام هنا للتقريع والتبكيت لمن كذَّب .
أو: يكون المعنى {لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ . .} [الأحزاب: 8] أي: أنتم بشَّرتم بأن الإله واحد ، فأنتم صادقون ؛ لأنكم أخذتُمْ هذه مني ، ولما قامت الساعة ولم تجدوا إلهاً آخر يحمي الكافرين ، إذن: فقد صدقت فيما أخبرت به ، وصدقتم فيما بلغتم عني ، حيث لم تجدوا في الآخرة إلا الإله الواحد .