وحين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أنْ يرث المهاجر أخاه الأنصارى ، فلما أعزَّ الله الإسلام ، ووجد المهاجرون سبيلاً للعيش أراد الحق سبحانه أنْ تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي ، فلم تَعُدْ هناك ضرورة لأنْ يرث المهاجر أخاه الأنصاري .
فقررت الآيات أن أُولى الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث ، فقال سبحانه: {وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين . .} [الأحزاب: 6] فقد استقرت أمور المهاجرين ، وعرف كل منهم طريقه ورتبَّ أموره ، والأرحام في هذه الحالة أوْلَى بهذا الميراث .
وقوله تعالى: {وَأُوْلُو الأرحام . .} [الأحزاب: 6] تنبيه إلى أن الإنسان يجب عليه أنْ يحفظ بُضْعة اللقاء حتى من آدم عليه السلام ؛ لأنك حين تتأمل مسألة خَلْق الإنسان تجد أننا جميعاً من آدم ، لا من آدم وحواء .
يُرْوى أن الحاجب دخل على معاوية ، فقال له: رجل بالباب يقول: إنه أخوك ، فقال معاوية: كيف لا تعرف إخوتي ، وأنت حاجبي؟ قال: هكذا قال ، قال: أدخله ، فلما دخل الرجل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم ، فقال معاوية: نعم ، رحم مقطوعة ، والله لأَكونَنَّ أول مَنْ يصلها .
وقوله تعالى: {إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً . .} [الأحزاب: 6] الحق سبحانه يترك باب الإحسان إلى المهاجرين مفتوحاً ، فمَنْ حضر منهم قسمة فَليكُنْ له منها نصيب على سبيل التطوع ، كما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً} [النساء: 8]
وقوله سبحانه: {كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً} [الأحزاب: 6] أي: في أم الكتاب اللوح المحفوظ ، أو الكتاب أي: القرآن .