ثم ينبغي على هؤلاء أنْ يُفرِّقوا بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود ، فكَوْن رسول الله يكتفي بهؤلاء التسع لا يتعدَّّاهن إلى غيرهن ، فالاستثناء هنا في المعدود ، فلو انتهى هذا المعدود لا يحلّ له غيره ، ولو كان الاستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون .
ومن ناحية أخرى: حين يمسك الرجل أربعاً ، ويفارق الباقين من زوجاته لهن أنْ يتزوجن بغيره ، لكن كيف بزوجاته صلى الله عليه وسلم إنْ طلق خمساً منهن ، وهُنَّ أمهات المؤمنين ، ولا يحل لأحد من أمته الزواج منهن؟ إذن: الخير والصلاح في أنْ تبقى زوجات الرسول في عصمته .
وما دام {النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ . .} [الأحزاب: 6] كذلك يجب أن يكون المؤمنون أوْلى برسول الله من نفسه ، ليردُّوا له هذه التحية ، بحيث إذا أمرهم أطاعوه .
ثم يقول تعالى: {وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6]
كلمة {وَأُوْلُو الأرحام} مأخوذة من الرحم ، وهو مكان الجنين في بطن أمه ، والمراد الأقارب ، وجعلهم الله أوْلى ببعض ؛ لأن المسلمين الأوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم ، ولم يشأ أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج .
فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها ، وهذا لوْن من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها ؛ لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه ، إلا مسألة المرأة ، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار .