ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي روقه الله بولد متخلف ، وكَبر الولد على هذه الحالة حتى صار رجلاً ، فكان الطالبون للعطاء يأتونه ، فيُثْنون عَلى هذا الولد ، ويمدحونه إرضاء لأبيه ، وطمعاً في عطائه ، مع أنهم يعلمون بلاهته وتخلُّفه ، إلى أن احتاج واحد منهم ، فنصحوه بالذهاب إلى هذا الغنى ، وأخبروه بنقطة ضَعْفه في ولده .
وفعلاً ذهب الرجل ليطلب المساعدة ، وجلس مع هذا الغني في البهو ، وفجأة نزل هذا الولد على السُّلم كأنه طفل يلعب لا تخفى عليه علامات البَلَه والتخلف ، فنظر الرجل إلى صاحب البيت ، وقال: أهذا ولدك الذي يدعو الناس له؟ قال: نعم ، قال: أراحك الله منه ، والأرزاق على الله .
وقوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ . .} [الأحزاب: 6] أي: أن أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين ، وعليه فخديجة رضي الله عنها أم لرسول الله بهذا المعنى ؛ لأنه أول المؤمنين ؛ لذلك كانت لا تعامله معاملة الزوجة ، إنما معاملة الأم الحانية .
ألاَ تراها كيف كانت تحنُو عليه وتحتضنه أول ما تعرَّض لشدة الوحي ونزول الملَك عليه؟ وكيف كانت تُطمئنه؟ ولو كانت بنتاً صغيرة لاختلفَ الأمر ، ولاتهمتْه في عقله . إذن: رسول الله في هذه المرحلة كان في حاجة إلى أم رحيمة ، لا إلى زوجة شابة قليلة الخبرة .
وزوجاته صلى الله عليه وسلم يُعْتبرن أمهات للمؤمنين به ؛ لأن الله تعالى قال مخاطباً المؤمنين: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ...} [الأحزاب: 53] لماذا؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائماً ضغائن وأحقاد .