ويجوز أن يكون قوله {من المؤمنين} ظرفاً مستقرّاً في موضع الصفة ، أي: وأولوا الأرحام الكائنون من المؤمنين والمهاجرين ، بعضهم أولى ببعض ، أي: لا يرث ذو الرحم ذا رحمه إلا إذا كانا مؤمنيْن ومهاجرين ، فتكون الآية ناسخة للتوارث بالحلف والمؤاخاة الذي شرع عند قدوم المهاجرين إلى المدينة ، فلما نزلت هذه الآية رجعوا إلى مواريثهم فبينت هذه الآية أن القرابة أولى من الحلف والمواخاة ، وأيّاً مَّا كان فإن آيات المواريث نسخت هذا كله.
ويجوز أن تكون {من} بيانية ، أي: وأولوا الأرحام المؤمنون والمهاجرون ، أي: فلا يرث أولوا الأرحام الكافرون ولا يرث من لم يهاجر من المؤمنين لقوله تعالى: {والذين كَفَروا بعضُهم أولياء بعض} [الأنفال: 73] ثم قال: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] .
والاستثناء بقوله {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً} منقطع ، و {إلا} بمعنى (لكنْ) لأن ما بعد إلا ليس من جنس ما قبلها فإن الأولوية التي أثبتت لأولي الأرحام أولوية خاصة وهي أولوية الميراث بدلالة السياق دون أولوية حسن المعاشرة وبذل المعروف.
وهذا استدراك على ما قد يتوهم من قطع الانتفاع بأموال الأولياء عن أصحاب الولاية بالإخاء والحلف فبين أن الذي أُبطل ونسخ هو انتفاع الإرث وبَقي حكم المواساة وإسداء المعروف بمثل الإنفاق والإهداء والإيصاء.
وجملة كان ذلك في الكتاب مسطوراً تذييل لهذه الأحكام وخاتمة لها مؤذنة بانتهاء الغرض من الأحكام التي شُرعت من قوله {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5] إلى هنا ، فالإشارة بقوله {ذلك} إلى المذكور من الأحكام المشروعة فكان هذا التذييل أعمّ مما اقتضاه قوله {بعضهم أوْلَى ببعض في كتاب الله.} وبهذا الاعتبار لم يكن تكريراً له ولكنه يتضمنه ويتضمن غيره فيفيد تقريره وتوكيده تبعاً وهذا شأن التذييلات.