ثم يقول تعالى: {فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ ...} [القصص: 75] أي: قولوا: إن رسلنا لم يُبلِّغوكم منهجنا ، وهاتوا حجة تدفع عنكم ، فلما تحيَّروا وأُسقط في أيديهم حيث غاب شهداهم وحضر الشهداء عليهم {فعلموا أَنَّ الحق لِلَّهِ ...} [القصص: 75] .
وفوجئوا كما قال تعالى عنهم: {وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ...} [النور: 39] .
وقال: {وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً ...} [الكهف: 49] .
فوجئوا بما لم يُصدِّقوا به ولم يؤمنوا به ، لكن ما وجه هذه المفاجأة ، وقد أخبرناهم بها في الدنيا وأعطيناهم مناعة كان من الواجب أنْ يأخذوا بها ، وأنْ يستعدوا لهذا الموقف ، فالعاقل حين تُحذره من وعورة الطريق الذي سيسلكه وما فيه من مخاطر وأهوال حين يحتاط لنفسه أنْ يكون ناصحه كاذباً ، على حَدِّ قول الشاعر:
زَعَم المنجِّمُ والطبيبُ كلاهٌما ... لا تُبعَثُ الأجسَادُ قُلْتُ إليكُما
إن صَحَّ قولكُمَا فلسْتُ بخاسِرِ ... أوْ صَحَّ قَوْلي فالخسَار عليكُما
وما عليك إنْ حملتَ بندقية في هذا الطريق المخوف ، ثم لم تجد شيئاً يخيفك؟ إذن: أنتم إنْ لم تخسروا فلن تكسبوا شيئاً ، ونحن إنْ لم نكسب لن نخسر .
وقوله: {وَضَلَّ عَنْهُمْ ...} [القصص: 75] أي: غاب {مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [القصص: 75] من ادّعاه الشركاء .
بعد أن أعطانا الحق - تبارك وتعالى - لقطة من لقطات يوم القيامة ، والقيامة لا تخيف إلا مَنْ يؤمن بها ، أما مَنْ لا يؤمن بالآخرة والقيامة فلا بُدَّ له من رادع آخر ؛ لأن الحق سبحانه يريد أنْ يحمي صلاح الكون وحركة الحياة .
ولو اقتصر الجزاء على القيامة لعربد غير المؤمنين واستشرى فسادهم ، ولَشقي الناس بهم ، والله تعالى يريد أنْ يحمي حركة الحياة من المفسدين من غير المؤمنين بالآخرة ، فيجعل لهم عذاباً في الدنيا قبل عذاب الآخرة .