ويحتمل أنه إنما كررت حكايته وأنه نداء واحد يقع عقبه جواب الذين حق عليهم القول من مشركي العرب ويقع نزع شهيد من كل أمة عليهم فهو شامل لمشركي العرب وغيرهم من الأمم.
وجيء بفعل المضي في {نزعنا} : إما للدلالة على تحقيق وقوعه حتى كأنه قد وقع ، وإما لأن الواو للحال وهي يعقبها الماضي بـ (قد) وبدون (قد) أي يوم يكون ذلك النداء وقد أخرجنا من كل أمة شهيداً عليهم وأخرجنا من هؤلاء شهيداً وهو محمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيداً على هؤلاء} [النحل: 89] .
وشهيد كل أمة رسولها.
والنزع: جذب شيء من بين ما هو مختلط به واستعير هنا لإخراج بعض من جماعة كما في قوله تعالى {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمان عتياً} في سورة مريم (69) .
وذلك أن الأمم تأتي إلى المحشر تتبع أنبياءها ، وهذا المجيء الأول ، ثم تأتي الأنبياء مع كل واحد منهم من آمنوا به كما ورد في الحديث"يأتي النبي معه الرهط والنبي وحده ما معه أحد".
والتُفت من الغيبة إلى التكلم في {ونزعنا} لإظهار عظمة التكلم ، وعطف {فقلنا} على {ونزعنا} لأنه المقصود.
والمخاطب بـ {هاتوا} هم المشركون ، أي هاتوا برهانكم على إلهية أصنامكم.
و {هاتوا} اسم فعل معناه ناولوا ، وهات مبني على الكسر.
وقد تقدم في قوله تعالى {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} في سورة البقرة (111) ، واستعيرت المناولة للإظهار.
والأمر مستعمل في التعجيز فهو يقتضي أنهم على الباطل فيما زعموه من الشركاء ، ولما علموا عجزهم من إظهار برهان لهم في جعل الشركاء لله أيقنوا أن الحق مستحق لله تعالى ، أي علموا علم اليقين أنهم لا حق لهم في إثبات الشركاء وأن الحق لله إذ كان ينهاهم عن الشرك على لسان الرسول في الدنيا ، وأن الحق لله إذ ناداهم بأمر التعجيز في قوله {هاتوا برهانكم} .