ثم قال سبحانه: {وَمَا أُوتِيتُم مّن شَيْء فمتاع الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا} الخطاب لكفار مكة ، أي وما أعطيتم من شيء من الأشياء فهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به مدّة حياتكم أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه ، أو يزول عنكم ، وعلى كل حال فذلك إلى فناء ، وانقضاء {وَمَا عِندَ الله} من ثوابه وجزائه {خَيْرٌ} من ذلك الزائل الفاني ؛ لأنه لذّة خالصة عن شوب الكدر {وأبقى} لأنه يدوم أبداً ، وهذا ينقضي بسرعة {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أن الباقي أفضل من الفاني ، وما فيه لذّة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر المنغصة بعوارض البدن والقلب ، وقرئ بنصب:"متاع"على المصدرية ، أي: فتمتعون متاع الحياة ، قرأ أبو عمرو:"يعقلون"بالتحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب وقراءتهم أرجح لقوله: {وَمَا أُوتِيتُم} .
{أَفَمَن وعدناه وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ} أي وعدناه بالجنة ، وما فيها من النعم التي لا تحصى فهو لاقيه ، أي مدركه لا محالة فإن الله لا يخلف الميعاد {كَمَن مَّتَّعْنَاهُ متاع الحياة الدنيا} فأعطي منها بعض ما أراد مع سرعة زواله ، وتنغيصه {ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين} هذا معطوف على قوله: {مَّتَّعْنَاهُ} داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ، ومقرّر له ، والمعنى: ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار ، وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا للعذاب اقتضاه المقام ، والاستفهام للإنكار ، أي ليس حالهما سواء ، فإن الموعود بالجنة لا بدّ أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا ، وهذا حال المؤمن.