{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ فِي أُمّهَا رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياتنا} أي وما صحّ ، ولا استقام أن يكون الله مهلك القرى الكافرة ، أي الكافر أهلها حتى يبعث في أمها رسولاً ينذرهم ، ويتلوا عليهم آيات الله الناطقة بما أوجبه الله عليهم ، وما أعدّه من الثواب للمطيع والعقاب للعاصي ، ومعنى {أُمّهَا} : أكبرها وأعظمها ، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها ؛ لأن فيها أشراف القوم ، وأهل الفهم والرأي ، وفيها الملوك والأكابر ، فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى.
وقال الحسن: أمّ القرى أوّلها.
وقيل: المراد بأمّ القرى هنا: مكة ، كما في قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 96] الآية ، وقد تقدّم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف ، وجملة: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياتنا} في محل نصب على الحال ، أي تالياً عليهم ومخبراً لهم أن العذاب سينزل بهم إن لم يؤمنوا {وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون} هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال ، أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولاً يدعوهم إلى الحق إلاّ حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم ، وتأكيد الحجة عليهم كما في قوله سبحانه:
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] .