لَما أكَلَ العصْفُورُ شيئًا مع النَّسْرِ
وكما قال أهل التجربة في مثلهم الشعبي:"لو جريْتَ جَرْيَ الوحوش غير رِزْقِكَ ما تحوش"،"لو كل مَنْ جاء ونجر ما بقي في الوادي شجر"؛ لذا لن يحصل طالب الرزق الدنيوي مهما فعل إلا على ما قدِّر له؛ كما قال تعالى:"مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا" [الإسراء: 18] ،"عَجَّلْنَا لَهُ"؛ أي: لذلك المريد"فِيها"؛ أي: في تلك العاجلة، وهي الدنيا، ثم قيَّد المعجل بقيدين: الأول: قوله:"مَا نَشَاءُ"تعجيله له من نعيمها، لا كل ما يريد؛ فإن الحكمة لا تقتضي وصول كل طالب إلى مرامه ومطلبه؛ ولهذا ترى كثيرًا من هؤلاء المريدين للعاجلة، يريدون من الدنيا ما لا ينالون، ويتمنون ما لا يصلون إليه، والقيد الثاني: قوله:"لِمَنْ نُرِيدُ"؛ أي: لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتُنا، ولا ينال من الدنيا إلا ما قدره له الله سبحانه؛ (تفسير حدائق الروح والريحان بتصرُّف) .
وقال الله في الحرثين:"اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ" [الشورى: 19، 20] ؛ أي: من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة، نُوفِّقه لصالح الأعمال، ونَجزه بالحسنة عشر أمثالها، إلى ما شاء الله تعالى، ومن كان سعيُه مُوجَّهًا إلى شؤون الدنيا وطلب طيِّباتها واكتساب لذاتها، وليس له هم في أعمال الآخرة، نؤته منها ما قسمناه له، وليس له في ثواب الآخرة حظٌّ.