والخلاصة: أن إهلاكهم لا يكون إلا بأمرين:
استحقاقهم الإهلاك بظلمهم، ولا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة، والإلزام ببعثة الرسل.
الثالث- إن قول أهل مكة: تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا خطأ عظيم لأن ما يتمتعون به مدة حياتهم زائل، وما عند الله خير وأبقى، أي أفضل وأدوم، أفلا تعقلون أن الباقي أفضل من الفاني؟! أما إنه خير: فلأن المنافع في الآخرة أعظم، ولأنها خالصة عن الشوائب، أما منافع الدنيا فمشوبة بالمضار، بل المضار فيها أكثر.
وأما إنها أبقى: فلأنها دائمة غير منقطعة، ومنافع الدنيا منقطعة، وإذا قوبل المتناهي بغير المتناهي كان عدما، ثم إن نصيب كل واحد من منافع الآخرة إذا قورن بمنافع الدنيا كلها يعدّ كالذرة بالقياس إلى البحر.
وهل يعقل التسوية بين الموعود وعدا حسنا وهو الجنة وما فيها من الثواب والممتع بمتاع الدنيا، أي الذي أعطي منها بعض ما أراد، ثم يوم القيامة كان من المحضرين في النار. قال القشيري: والصحيح أنها نزلت في المؤمن والكافر على التعميم. وقال الثعلبي: وبالجملة، فإنها نزلت في كل كافر متّع في الدنيا بالعافية والغنى، وله في الآخرة النار، وفي كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله، وله في الآخرة الجنة.
والخلاصة: تترجح منافع الآخرة على منافع الدنيا بأمرين: الدوام والبقاء، وعدم العقاب، أما منافع الدنيا فهي إلى انقطاع وفناء، ويحصل بعدها العقاب الدائم إذا لم تقترن بطاعة الله.
5 -دل قوله سبحانه: أَفَلا تَعْقِلُونَ على أن من لا يرجح منافع الآخرة على منافع الدنيا، كان خارجا عن حد العقل السليم.
واستدل الشافعي رحمه الله بهذا القول على أن من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس، صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله تعالى لأن أعقل الناس من أعطى القليل، وأخذ الكثير، وما هم إلا المشتغلون بطاعة الله تعالى.
تقريع المشركين يوم القيامة بأسئلة ثلاثة
[سورة القصص (28) : الآيات 62 إلى 67]