والتعبير بلفظ"آتية"بدلا من لفظ"ستأْتي"للدلالة على تحقق إِتيانها ولا بد، لاقتضاءِ الحكمة مجيئها حتى يأْخذ المحسن جزاءَ إِحسانه والمسئُ جزاء إِساءَته، وإِلا لضاع على كل ذي حق حقه، ولتساوى المحسن بالمسئِ في مصيره، وذلك مناف لعدالة الله وحكمته.
وإِنما قال سبحانه: {لَا رَيْبَ فِيهَا} مع أن الملحدين يرتابون فيها للإِيذان بأَنها في ظهور دلائلها ووضوح أَمرها بحيث لا يصح أن تكون مجالا للإرتياب فيها، ولا تصلح مظنة للشك على الإِطلاق.
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) }
المفردات:
{يُجَادِلُ} : يخاصم ويناوئُ. {فِي اللهِ} : في ذاته أَو صفاته. {بِغَيْرِ عِلْمٍ} : بغير يقين ضرورى {وَلَا هُدًى} : ولا نظر سديد يهديه إلى الحق. {وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} : ولا كتاب سماوى يضئُ له سبيل الحق. {ثَانِيَ عِطْفِهِ} العِطْفُ: الجانب، وثَنْيُهُ لجانبه: كناية عن الإعراض تكبرا. {خِزْيٌ} : ذل وهوان.
التفسير
8 - {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} .
هذه الآية مستأْنفة لبيان حال الذين يكابرون في الحق بلا دليل، ويؤُمون غيرهم في الضلال، أَما الآية السابقة {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} الخ ففي بيان حال من يقلدونهم ويتبعونهم، ويجوز أَن تكون هذه معطوفة على تلك للغرض المذكور وأَئمة الضلال في مكة أَشهرهم أبو جهل والنضر بن الحارث
والأَخنس بن شريق، فقد كانوا يجادلون في شئون الله بغير حق ليصرفوا الناس عن الهدى الذي بعث به محمد - صلى الله عليه وسلم -.