2 -إن هؤلاء اليهود والنصارى يعيبون شعيرة الرجم في الإسلام ويعيبون تقبيل الحجر الأسود ويعتبرون ذلك من بقايا الوثنية، والإسلام بريء من افتراءاتهم، فإن تعظيم المسلم للمناسك وأماكنها تعظيم لله تعالى، وهم على الرغم من ذلك يبعدون النجعة في فهمهم لمعنى الضحية، فيقدمون ضحيتين إحداهما لله والأخرى لروح الشر التي يمثلها عزازيل، فإن التضحية ليست في الإسلام طعامًا للكهان أو طعامًا للإله أو قربانًا لكسب الرضى من عزازيل، ولكنها صدقة أو سخاء من النفس في سبيل العبادة، يشير بها الإنسان إلى واجب الضحية بشيء من الدنيا في سبيل الدين متجشمًا لذلك مشقة الرحلة وتكاليفها جهد المستطيع، وهي في الإسلام تطهير النفس وطعمة للفقراء والمساكين، فإنها تعني إراقة دم الرذيلة بيد اشتد ساعدها في بناء الفضيلة، ورمز للتضحية والفداء على مشهد من جند الله الأطهار الأبرار،
فليست التضحية سلبية تعني اتقاء قوى الشر، ولكنها في الإسلام تتعدى هذا المعنى السلبي إلى معنى أجل وأرفع، وهو مقاومة الشر والرذيلة والتضحية في سبيل ذلك.
3 -والحج في الإسلام شحنة روحية متقدة لا تخبو، تريه ماضي دينه العريق وحاضره الخصب ومستقبله المأمول، وتربطه بمشاعر الحب والأخوة والمسئولية فتملأ جوانحه خشية وتقى لله، وعزمًا على طاعته وندمًا على معصيته، وتغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولمن عزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، وتوقظ فيه مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان وتوقد صدره شعلة الحماسة لدينه والغيرة على حرماته، وهذه الدلالة الروحية في الإسلام لا ترتبط بموسم الزرع والحصاد، فإنه يتفق في جميع المواسم والمواعيد ويأتي في الشتاء أو الصيف كما يأتي في الربيع، وهو بهذا المعنى علاقة سماوية روحية تناسب مقصدها الأسمى من تحقيق الرابطة بين الأمم التي تدين بعقيدة واحدة في أرجاء الكرة الأرضية على تباعد مواقعها واختلاف أجوائها وفصولها، فهو رابطة من روابط السماء تؤمن بها أمم وحدتها العقيدة السماوية، وإن فرقت بينها شتى المطارح والبقاع.