فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 299276 من 466147

فإذا وعى الإنسان ذلك كان نورًا بين يديه يبصر به حكم سائر مناسك الحج والأمور التي تَعَبَّدَنا الله تعالى بها لتغذية إيماننا بالطاعة والامتثال سواء عرفنا سبب كل عمل منها وحكمته أم لا، وأنها إحياء لدين إبراهيم أبي الأنبياء وإمام الموحدين المخلصين، وتذكير بنشأة الإسلام ومعاهده الأولى، وإن لاستحضار ذلك لتأثيرًا عظيمًا في تغذية الإيمان وتقوية الشعور به، والثقة بأنه دين الله الخالص الذي لا يقبل غيره، فإن جهلنا سبب شرع بعض تلك الأعمال أو حكمتها لا يضرنا ذلك، ولا يثنينا عن إقامتها كما إذا ثبت لنا نفع دواء من الأدوية مركب من عدة أجزاء، وجهلنا سبب كون بعضها أكثر من بعض، فإن ذلك لا يثنينا عن استعمال ذلك الدواء والانتفاع به، ولا يدعونا إلى التوقف وترك استعماله إلى أن نتعلم الطب ونعرف حكمة أوزان تلك الأجزاء ومقاديرها.

قال ابن القيم: إن الحكمة لا يجب أن تكون بأسرها معلومة للبشر، ولا أكثرها بل لا نسبة لما علموه إلى ما جهلوه فيها، لو قيست علوم الخلائق كلهم بوجوه حكمة الله تعالى في خلقه وأمره إلى ما خفي عنهم منها كانت كنقرة عصفور في البحر، وحسب الفطن اللبيب أن يستدل بما عرف منها على ما لم يعرف، ويعلم الحكمة فيما جهله منها مثلها فيما علمه؛ بل أعظم وأدق، وما مثل هؤلاء الحمقى النوكى إلا كمثل رجل لا علم له بدقائق الصنائع والعلوم من البناء والهندسة والطب، بل ولا الحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الاعتراض بعقله الفاسد على أربابها في شيء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عليه فجعل كل ما خفي عليه منها شيء قال هذا لا فائدة فيه، وأي حكمة تقتضيه هذا مع أن أرباب الصنائع بشر مثله يمكنه أن يشاركهم في صنائعهم، ويفوقهم فيها. فما الظن بمن

بهرت حكمته العقول الذي لا يشاركه مشارك في حكمته، كما لا يشاركه في خلقه، فلا شريك له بوجه، فمن ظن أن يكتال حكمته بمكيال عقله أو يجعل عقله عيارًا عليها فما أدركه أقر به وما لم يدركه نفاه فهو من أجهل الجاهلين ولله في كل ما خفي على الناس وجه الحكمة فيه حكم عديدة لا تدفع ولا تنكر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت