وقد استدل بالآية من استدل على حفظ القرآن من الزيادة والنقص وما علينا ما قيل في ذلك، وكون الإلقاء المذكور لا ينافي الحفظ لأنه نسخ ولم يبق إلا زمانًا يسيرًا لا يخلو عن نظر، والظاهر أنه وإن لم يناف الحفظ في الجملة لكنه ينافي الحفظ المشار إليه في الآية على ما يتقضيه ذلك الاعتناء، ثم إن قيل: بما روي عن الضحاك من أن سورة الحج كلها مدنية لزم بقاء ما ألقى الشيطان قرآنًا في اعتقاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين زمانًا طويلًا والقول بذلك من الشناعة بمكان، وقال - عز وجل: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } [النجم: 4] والظاهر أن الضمير لما ينطق به عليه - صلى الله عليه وسلم - مما يتعلق بالدين، ومن هنا أخرج الدارمي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: كان جبريل - عليه السلام - ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن.
والمتبادر من لحن الخطاب أن جميع ما ينطق به - صلى الله عليه وسلم - من ذلك ليس عن إلقاء شيطاني كما أنه ليس عن هوى، وبقيت آيات أخر في هذا الباب ظواهرها تدل على المدعي أيضًا،
وتأويل جميع الظواهر الكثيرة لقول قلة قليلة بصحة الخبر المنافي لها مع قول جم غفير بعد الفحص التام بعدم صحته مما لا يميل إليه القلب السليم ولا يرتضيه ذو الطبع المستقيم، ويبعد القول بثبوته أيضًا عدم إخراج أحد من المشايخ الكبار له في شيء من الكتب الست مع أنه مشتمل على قصة غريبة وفي الطباع ميل إلى سماع الغريب وروايته ومع إخراجهم حديث سجود المشركين معه - صلى الله عليه وسلم - حين سجد آخر النجم، فقد روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وغيرهم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ {وَالنَّجْمِ} [النجم: 1] فسجد فيها وسجد كل من كان معه غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًا من حصى أو تراب ورفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا.