إِذا اسْوَدَّ لَوْنُ الْمَرْء وَابْيَضَّ شَعْرُهُ ... تَنَغَّصَ مِنْ أَيَّامِهِ مُسْتَطابُها
خَبَتْ نارُ نَفْسِيَ بِاشْتِعالِ مَفارِقِي ... وَأَظْلَمَ لَيْلِي إِذْ أَضَاءَ شِهابُها
فَيا نَوْمَةً قَدْ عَشَّشَتْ فَوقَ هامَتِي ... عَلى الرَّغْمِ مِنِّي حِينَ طارَ غُرابُها
رَأَيْتِ خَرابَ العُمْرِ مِنِّي فَزُرْتِنِي ... وَمَأْواكِ مِنْ كُلِّ الدِّيارِ خَرابُها
فَلا تَمْشِيَنْ فِي مُنْكَرِ الأَرْضِ فاخِراً ... فَعَمَّا قَلِيلٍ يَحْتَوِيكَ تُرابُها
وَأَحْسِنْ إِلَى الأَحْرارِ تَمْلِكْ رِقابَهُمْ ... فَخَيْرُ تِجاراتِ الكِرامِ اكْتِسابُها
فَمَنْ يَذُقِ الدُّنْيا فَإِنِّي طَعِمْتُها ... وَسِيقَ إِلَيَّ عَذْبُها وَعَذابُها
فَلَمْ أَرَها إِلاَّ غُرُوراً وَباطِلاً ... كَما لاحَ فِي ظَهْرِ الفَلاةِ سَرابُها
وَما هِيَ إِلاَّ جِيفَةٌ مُسْتَحِيلَةٌ ... عَلَيْها كِلابٌ دَأْبُهُنَّ اجْتِذابُها
فَإِنْ تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْماً لأَهْلِها ... وَإِنْ تَجْتَذِبْها نازَعَتْكَ كِلابُها
فَطُوبَى لِنَفْسٍ وَطِئَتْ قَعْرَ دارِها ... مُغَلَّقَةَ الأَبْوابِ مُرْخًى حِجابُها
فَيارَبِّ هَبْ لِي تَوْبَةً قَبْلَ مِيْتَتِي ... أفوزُ بِها مِنْ قَبْلِ يُغْلَقُ بابُها
وإذا أفادت البصائر أن الشره في الدنيا في مقام كلب شره في جيفة، وأهل العلم هم أهل البصائر، وإذا شره العالم خصوصاً البالغ في العلم فيها، فقد حير من دونه إذا رغب عنها، ويرى من فوقه رغب فيها، وأضل من ليس من أهل العلم إذا أراد الاقتداء لأنه إذا رأى من معه طرف من العلم يزهد فيها ويرغب عنها، ورأى الأعلم والأبصر يرغب فيها اقتضى رأيه أن يقتدي بالأعلم، ومن ثم تعلم أنه ليس في الدنيا أفتن لعقول الناس من العلماء المفتونين.
وقد روى الدينوري في المجالسة عن أبي عبد الله القلانسي قال: سمعت إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يتمثل بأبيات من الشعر: من المتقارب
رَأَيْتُ الذُّنوبَ تُمِيتُ القُلُوبَ ... وَشبِعُها الذُّلَّ إِدْمانُها
وَتَرْكُ الذُّنوبِ حَياةُ القُلُوبِ ... وَالْخَيْرُ لِلنَّفْسِ عِصْيانُها