وهكذا تتوالى الغايات في الدنيا إلى أنْ يصل إلى غاية الدنيا الأخيرة ، وهي أن يبني بيتاً ويتزوج ويعيش حياة سعيدة يرتاح فيها بما تحت يديه من خدم ، يقضون له ما يريد ، هذا على فرض أنه سيعيش حتى يكمل هذه المراحل ، ولكن ربما مات قبل أنْ يصلَ إلى هذه الغاية.
إذن: فلا بد للإنسان أنْ يتعبَ أولاً ، ويبذل المجهود ليصبح مخدوماً ، وهذه المخدومية تتناسب مع مجهودك الأول ، فَمن اكتفى بالإعدادية مثلاً ليس كمن تخرّج من الجامعة ، فلكُلٍّ مرتبته ومكانته ؛ لأنك تعيش في الدنيا بالأسباب وعلى قَدْر ما تعطي تأخذ.
إذن: فغايتك في الدنيا أن تكون مخدوماً ، مع أن خادمك قد يتمرَّد عليك وقد يتركك ، أما غاية الآخرة فسوف تُوفّر عليك هذا كله ، وليس لأحد علاقة بك إلا ذاتك أنت ، فبمجرد أنْ يخطر الشيء على بالك تجده أمامك ؛ ذلك لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب ، وفي الآخرة تعيش بمُسبِّب الأسباب سبحانه وتعالى.
وكذلك لو أجريتَ مقارنة اقتصادية بين متعة الدنيا ومتعة الآخرة لرجحَتْ كِفّة الآخرة ؛ لأن الدنيا بالنسبة لك هي عمرك فيها فقط ، وليس عمر الدنيا كله ، كما يحلو للبعض أنْ يُحدِّد عمر الدنيا بعدة ملايين من السنين ، فما دَخْلك أنت بكل هذه الملايين؟!
فالدنيا - إذن - هي عمري فيها ، وهذا العمر مظنون غير مُتيقّن ، وعلى فرض أنه مُتيقّن فهو خاضع لمتوسط الأعمار ، وسوف ينتهي حتماً بالموت. أَضِفْ إلى ذلك أن نعيمك في الدنيا على قَدْر سَعْيك وأَخْذِك بأسبابها.
أما الآخرة فهي باقية لا نهاية لها ، فلا يعتريها زوال ولا يُنهيها الموت ، كما أن مُدتها مُتيقّنة وليس مظنونة ، ونعيمك فيها ليس على قَدْر إمكانياتك ، ولكن على قدر إمكانيات خالقك سبحانه وتعالى.