فالقرآن واحد ، ولكن المستقبل مختلف ، إذن: فإياك أنْ تلوم مَنْ يريد أن يلويَ الناس إلى طريق الضلال ، بل دَعْه في ضلاله ، ورَبِّ في الآخرين مناعة حتى لا يتأثروا ولا يستجيبوا له.
بعد أن تكلمنا عن موقف الكفار من الألوهية ومن النبوة نتكلم من موقفهم من المنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا المنهج يتضمن قضايا كثيرة وأموراً متعددة ، لكن أم هذا المنهج وأساسه أن نؤمن بالآخرة ، وما دُمْنَا نؤمن بالآخرة فسوف تنسجم حركتنا في الحياة. فالإيمان بالآخرة وما فيها من ثواب وعقاب هو الحافز لنا على العمل والاستقامة في الدنيا ، وما أشبه ذلك بالتلميذ الذي يجتهد ويجدّ ؛ لأنه يؤمن بالامتحان آخر العام ، وما ينتج عنه من توفيق أو إخفاق.
غبيّ مَنْ يظن أن الدنيا هي نهاية المطاف ، وأنها الغاية التي ليس بعدها غاية ؛ لأن الجميع عبيدٌ لله تعالى متساوون.. ومع ذلك نرى مَنْ يموت في بطن أمه ، ومَنْ يموت بعد عدة شهور ، وآخر بعد عدة أعوام ، فلو أن الدنيا هي الغاية لاستوى الجميع في المكْث فيها ، فاختلاف الأعمار في الدنيا دليل على أنها ليست غاية.
وعجيب في أمر الموت أن نرى الناس يحزنون كثيراً على مَنْ مات صغيراً ويقولون: أُخِذ في شبابه ويُكثِرون عليه العويل ، لماذا؟ يقولون: لأنه لم يتمتع بالدنيا ، سبحان الله أي دنيا هذه التي تتحدثون عنها ، وقد اختاره الله قبل أنْ تُلوّثه آثامها وتُلطّخه ذنوبها ، لماذا تحزنون كل هذا الحزن ولو رأيتم ما هو فيه لحسدتموه عليه؟
والناس كثيراً ما يُخطِئون في تقدير الغايات ؛ لأن كل حَدَث يُحدِثه الإنسان له غاية من هذا الحدث ، هذه الغاية مرحلية وليست نهائية ، فالغاية النهائية والحقيقية ما ليس بعدها غاية أخرى ، فالتلميذ يذاكر بالمرحلة الابتدائية لينتقل إلى المرحلة الإعدادية ، ويذاكر الإعدادية لينتقلَ إلى الثانوية.