وحاصل ما قررناه في هذا الفصل: أن اتصاف الإنسان بالأوصاف الحيوانية، وتخلقه بالطباع البهيمية مما يخالف الحكمة الإلهية، ويخل منه بالإنسانية، فلذلك جاء الشرع الشريف بالنهي عن التشبه بالبهائم والسباع في كثير من الخصال والطباع، وجاء القرآن العظيم بتمثيل الكفار والفساق بالأنعام، فقال تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [سورة البقرة: 171] .
فمثل واعظ الكفار وداعيهم بالراعي إذا نعق بالغنم، وهي لا تسمع إلا دعاءً ونداءً لا تفهم معناه، بل هم أسوء حالاً من الغنم لأنها قد تنزجر بنعق الراعي، وتنضم من نفشاتها، بخلاف الكفار ونحوهم؛ فإنَّ وعظ الواعظ لا يؤثر فيهم، ولا يزجرهم عن كفرهم وطغيانهم، وإذا ذكروا لا يذكرون، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ} [سورة المرسلات: 48] .
فأشار سبحانه وتعالى إلى أنهم أسوء حالاً من الغنم بقوله في وصفهم: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [سورة البقرة: 171] ؛ أي: صم عن سماع الحق، بكم عن النطق به، عَمِي عن رؤية مسالكه وطرائقه، فهم لا يعقلون
الحق حقاً فيتبعونه، ولا الباطل باطلاً فيتقونه.
قال الله تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} [سورة المدثر: 49 - 51] شبههم في إعراضهم عن الحق ونفورهم عن استماع الذكر بالحمر النافرة.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [سورة الأنفال: 20 - 22] .
قال القاضي في تفسير عدهم من البهائم: ثم جعلهم شرها لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله، انتهى.