فعالم النبات أكثر حظاً في التكريم من عالم الجماد، وعالم الحيوان أكثر حظاً منهما، ونوع الإنسان أكثر حظاً في التكريم العام من جميع الحيوانات.
المسألة الثالثة:
عظم حظ الإنسان من هذا التكريم.
من جهة ذاته: بحسن صورته واعتدال مزاجه.
ومن جهة روحه: بأنها من العالم النوراني العلوي، وبأنها مع اتصالها بالبدن قابلة للتجلي بأكمل الصفات، وأطهر الأخلاق.
ومن جهة عقله: الذي به أدرك الحقائق، وحصل المعارف، وعرف الأسباب ومسبباتها، ووجوه ارتباطاتها واتصالاتها، ونسبة بعضها من بعض؛ فملك، وساد، واستفاد، وأفاد.
المسألة الرابعة:
هذا التكريم المذكور في المسألة السابقة هو عام للنوع الإنساني من حيث هو إنسان لا فرق فيه بين من آمن ومن كفر؛ لأنه راجع للخلقة الإنسانية التي يتساوى فيها الجميع، والتمكين من أسباب المنافع الذي هو ثابت لجميع النوع بما عنده من عقل وتفكير.
وهذا هو مقتضى العموم المستفاد من لفظ:"بني آدم". ومثل هذا التكريم في العموم: الحمل في البر والبحر، والرزق، لأنهما من جملة التكريم كما تقدم في فصل بيان المعنى.
المسألة الخامسة:
تفضيل الله تعالى لمن يشاء من خلقه قسمان:
تفضيل في الخلقة، وتفضيل في الجزاء والمثوبة.
فمن الأول: تفضيل بني آدم المذكور في هذه الآية بما كرموا به، وأعطوه في خلقتهم من الوجوه المتقدمة زائد على كثير من مخلوقات الله، مما كانت لهم به الرفعة والمنفعة لجميع نوعهم على العموم.
ومن الثاني: تفضيل المجاهدين على القاعدين في قوله تعالى: {وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 95] .
المسألة السادسة:
اقتضى قوله تعالى:"وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ": أي بما كرمناهم به في خلقهم أنهم لم يفضلوا على جميع مخلوقات الله، وأن بعض المخلوقات أفضل منهم في الخلقة، وأكثر منهم كرماً في الجنس. فمن هو هذا المخلوق المفضل عليهم؛ وهذا ما نبينه في المسألة التالية.
المسألة السابعة:
إذا نظرنا في عوالم المخلوقات فإننا نجدها منقسمة إلى قسمين:
قسم مشاهد وقسم غير مشاهد، علمناه بالوحي الصادق من الكتاب والسنة.