فالقسم الأول: هو عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان. وهذا القسم كله قد فضل عليه الإنسان بميزة عقله التي ساد بها الجميع وبغيرها مما تقدم.
والقسم الثاني: هو الملائكة والجن. فأما الجن: فالإنسان أشرف منهم خلقة، وأكرم عنصراً، فهم ظلمانيون خلقوا من النار. وهو ترابي وروحه من عالم النور الذي هو عالم الملائكة؛ فلذا كان أهلًا لاصطفاء الرسل منه كما اصطفيت من الملائكة ولم يصطف من الجن رسول ولا نبي.
وأما الملائكة فخلقتهم أشرف من خلقة الإنسان وأكرم، لأنهم خلقوا من نور محض، منزهة أجسامهم النورانية عن كثافة الأجساد الإنسانية الترابية، وأخلاطها وظلمتها، فلم يفضل عليهم النوع الإنساني في خلقه، بل فضلوا عليه، فهم غير الكثير الذي فضل عليه الإنسان.
المسألة الثامنة:
المفاضلة تقع بين الملائكة وبني آدم على وجهين:
إما من جهة الخلقة وإما من جهة المثوبة:
فأما من جهة الخلقة فقد عرفنا في المسألة المتقدمة، أن الملائكة أفضل، والآية ظاهرة في ذلك ظهوراً بيناً. وأما من جهة الأجر والمثوبة فهو خارج عن معنى الآية وموضوعها، وأفضل الخلق - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أفضل منهم قطعا.
وفي المفاضلة بين الأنبياء والملائكة في الأجر والثواب، خلاف كبير وتفويض أمر ذلك إلى الله تعالى - في مقام التذكير - أسلم.
سلوك المكرمين:
إمتن الله تعالى على بني آدم بهذا التكريم لهم في شرف الخلقة ورفعتها، وكثرة المنفعة وتيسير أسبابها - تذكيراً لهم بنعمته ليشكروها، فيزيدهم منها؛ وتعريفاً لهم بشرف أنفسهم ليقدروها، فينتفعوا بها.
فهذان الأمران هما الحكمة المقصودة بهذا الامتنان. فلنتكلم عليها في الفصلين التاليين.
شكر العبد لنعمة ربه:
قد ابتدأنا بهذه الكرامة في الخلقة بدون سعي منا ولا عمل، وهو المبتدئ بالنعم قبل استحقاقها؛ فمن كبر هذه الكرامة وشكرها، كان من المكرمين. ومن لم يعرف قيمتها وكفرها كان من المهانين. {ومن يهن الله فما له من مكرم} [الحج: 18] .